واقع السياسات التعليميّة الطارئة في مبادرات الخيام: شهادة معايشة من الميدان
واقع السياسات التعليميّة الطارئة في مبادرات الخيام: شهادة معايشة من الميدان
2026/03/05
صابرين سلمان مزيد | مديرة مدرسة حكوميّة في وزارة التربية والتعليم - فلسطين

سأنطلق في هذه الورقة من موقع "شهادة معايشة" ميدانيّة، بصفتي مديرة مبادرة تعليميّة، حيث أعيش واقع السياسات التعليميّة كما تُمارس يوميًّا: من قلب المؤسّسة التعليميّة، بل من قلب الميدان، بين أطفال دُمّرت مدارسهم ومساكنهم، وحُرقت كتبهم وفقدوا أهلهم لكنّهم لم يتهاونوا في طلب التعلّم. وبجوار معلّمين يقفون منارة للعلم، يعلّمون طلّابهم وهم يتضوّرون جوعًا وألمًا.

تسعى هذه الشهادة لوصف صورة واقعيّة عن التحدّيات التي تواجه تطبيق السياسات التعليميّة داخل الخيام التعليميّة، وعن الأنشطة التي يبتكرها المعلّمون لتكييف السياسات التعليميّة للتوائم مع الظروف والإمكانات المتاحة.

 

أوّلًا: البنية التحتيّة في السياسات التعليميّة الطارئة

تقام المبادرة التعليميّة التي أعايشها في مجموعة من الخيام المتجاورة، نصبت على ساحات المدرسة وحدائقها وملاعبها، بعد أن تحوّلت الغرف الدراسيّة إلى مأوى للنازحين الذين فقدوا بيوتهم، أو تعرّضت للتدمير الجزئيّ أو الكلّيّ جرّاء الحرب. الخيمة التعليميّة هي خيام متوسّطة المساحة، لا تتّسع لأكثر من ثلاثين طالبًا في أحسن الأحوال. لكنّ المشكلة الأكبر تكمن في ترتيبها بجوار بعضها، حيث تتداخل الأصوات من خيمة إلى أخرى، ليصبح المشهد الصفّيّ عبارة عن فوضى صوتيّة يعجز المعلّم عن منعها من الوصول إليه، ويعجز الطالب بسببها عن التركيز في الشرح.

كما إنّ التهوية والإضاءة غير مناسبة، تعتمد على فتحات صغيرة صُنِعت في جدار الخيمة، وقد يضطر المعلّم إلى إغلاقه منعًا من وصول حرارة الشمس أو البرد إلى طلّابه. في فصل الصيف، ترتفع الحرارة داخل الخيمة بشكل مريب، فلا يستطيع الطلّاب الجلوس داخلها، ولا يستطع المعلّم التدريس في جوّ غير صالح للتعلّم.

 وفي المقابل، يأتي فصل الشتاء ليضيف معاناة جديدة، إذ تتسرّب مياه الأمطار من أعلى الخيمة ومن أسفلها، وقد تضطرّ الحصّة إلى التوقّف أو نقلهم إلى مكان آخر. أمّا عن كيفيّة جلوس الطلّاب داخل الخيمة، ففي البداية جلسوا متجاورين على الأرض، يفصل بينهم وبين أرضيّة الخيمة قطع من سجّادات الصلاة، أو قطع كرتون، أو قطع قماش قديمة فرشت على الرمال.

لم يكن هناك أثاث مدرسيّ متوفّر. والمعلّم نفسه لم يجد كرسيًّا يجلس عليه في الحصّة، ولا طاولة يضع عليها كتبه وأوراقه، أو يتابع عليها تصحيح كراسات الطلبة، فكان يضع كومة من الكتب بجانبه أو يحملها بيديه طوال الحصّة.

 

 بعد فترة من انطلاق المبادرة، تحرّك المجتمع المحلّيّ بمبادرات إنسانيّة، وتمّ توفير أثاث مدرسيّ بسيط ليجلس عليه الطلّاب. شعر الطلّاب بالأمل يعود من جديد، ولكنّ فرحة هذا الإنجاز لم تدم طويلًا؛ فالمقاعد بدأت تتكسّر، بسبب الاستخدام اليوميّ المتواصل، وأعداد الطلّاب الكبيرة التي جلست عليه، ليعود الطلّاب من جديد للجلوس على الأرض. وأصبحت رؤية الأثاث المكسور في الخيام، صورة بصريّة تعبّر عن ضعف الحلول في ظلّ غياب سياسات واضحة لتأمين بيئة تعليميّة مستقرّة.

 ولا يمكن إغفال غياب المختبرات العلميّة، فلم تكن هناك إمكانيّة لتنفيذ أيّ تجربة عمليّة أو نشاط علميّ يحتاج إلى أدوات أو بيئة خاصّة. وساحة المدرسة لم تعد متوفّرة، فقد أصبحت مشتركة بين الطلّاب والنازحين الذين يقيمون في الغرف المحيطة، ولم يعد هناك مكان فارغ لتنفيذ طابور الصباح، أو ممارسة أيّ نشاط حركيّ أو رياضيّ.

 ولا ننسى المرافق الصحّيّة، فعدم توافر مراحيض صحّيّة مناسبة ونظيفة، شكّل معاناةً يوميّة للطلّاب، وتحدّيًا في التزام الأطفال بالدوام المدرسيّ، وفي توفير بيئة تحفظ كرامتهم وراحتهم.

 

ثانيًا: الأدوات والوسائل التعليميّة في السياسات التعليميّة الطارئة

في بداية المبادرة، كان الموقف التعليميّ يفتقر إلى أبسط أدواته؛ لم تكن هناك سبّورة للكتابة عليها، فلجأ المعلّمون إلى حلول ابتكاريّة، وحاول البعض الكتابة على جدران الخيام بالطباشير والأقلام. وعندما توفّرت أوجه الطاولات القديمة، طُلِيت باللون الأسود لتتحوّل إلى وسيلة تعليميّة بديلة. وبعد فترة زمنيّة تمّ تركيب السبّورة الخضراء في الخيام من قبل مديريّة التربية والتعليم، وبجهود دوليّة.

 أمّا قضيّة القرطاسيّة والأقلام، فكانت أكثر إيلامًا وتعقيدًا. لم تتوفّر للطلّاب أدوات الكتابة الأساسيّة؛ ليس بسبب الإهمال، بل بسبب ارتفاع أسعارها في السوق، وندرتها الشديدة في ظلّ الظروف الاقتصاديّة الصعبة التي تعيشها الأسرة الفلسطينيّة. وكان بعض الطلبة يستخدمون دفترًا واحدًا فقط، يكتبون فيه جميع المباحث الدراسيّة من دون تفريق بينها. والبعض الآخر استخدم دفاتر قديمة كانت لديهم من سنوات سابقة، وكأنّ الطفل يبحث عن "فضاء أبيض" بين تراكمات الماضي ليكتب حاضره التعليميّ. أمّا الحالة الأكثر قسوة، فكانت لأولئك الطلّاب الذين لم يكن بحوزتهم دفتر أبدًا، فيجلسون ينتظرون أن يتوفّر المال لوالديهم ليتمكّنوا من شراء دفتر، ويستأذنون المعلّم في ذلك، ويبقون أيامًا بلا نشاط كتابي: مجرّد مستمعين لما يدور في الحصّة، وما ينتج عنه من نسيان للمعلومات وصعوبة تذكرها عند الحاجة.

أمّا بخصوص الكتب المدرسيّة، فلم تتوفّر بكميّات كافية لتغطية احتياج جميع الطلّاب. واعتُمِد على "الرزم التعليميّة" بديلًا، وهي كتيّبات مبسّطة أو أوراق مجمّعة تحتوي على المادّة التعليميّة الأساسيّة. لكنّ هذه الرزم واجهت ندرة وجودها بين الطلّاب بسبب عدم توفّر ورق التصوير وحبر الطباعة، وغلاء سعرها أيضًا. وفي ظلّ هذا النقص الحادّ، أصبح الاعتماد الكلّيّ على السبّورة مصدرًا وحيدًا للمعرفة. وتحوّلت العمليّة التعليميّة من تفاعل متعدّد الوسائل إلى موقف تعليميّ يفتقر أدنى المقومات.

 

ثالثًا: المناهج الدراسيّة في السياسات التعليميّة

في بداية المبادرة، واجهنا تحدّيًا كبيرًا يتعلّق بالمنهج ذاته. فالمنهج الرسميّ المقرّر من وزارة التربية صمّم لينفّذ في حصص مدّتها 45 دقيقة، وفي فصول مجهّزة بوسائل ومختبرات وأدوات مساعدة. ولكنّ واقع الخيام كان مختلفًا تمامًا: لم نكن قادرين على تغطية المنهاج بالكامل، لأنّ مدّة الحصّة في الخيمة تختلف؛ والظروف المحيطة بالطلّاب لا تساعد على التركيز الطويل؛ والإمكانات المادّيّة غير متوفّرة.

 اقتصر الجدول المدرسيّ على 4 حصص يوميًّا، بواقع 3 أيّام في الأسبوع. وهذه المدّة غير كافية لدراسة المنهاج بالكامل، فاقتصرت الدراسة على المباحث الأساسيّة الأربعة فقط (اللغة العربيّة، والرياضيّات، والعلوم، اللغة الإنجليزيّة)، وأُلغِيت باقي المباحث الدراسيّة، لأنّ وقت الدوام وعدد الحصص لم يكفِ لدراستها، ولأنّ الأولويّة كانت للإنقاذ التعليميّ قبل الإثراء المعرفيّ.

 

قامت وزارة التربية والتعليم بإصدار "الرزم التعليميّة" التي تضمّ مناهج تحتوي المهارات الرئيسيّة، وبتقديم المحتوى التعليميّ في صورة مبسّطة تتناسب مع الوقت المتاح والإمكانيّات الموجودة. ولكنّها واجهت تحدّيات كبيرة في التوزيع والطباعة بسبب نقص الورق وحبر الطباعة وغلاء أسعارهما، ما حال دون وصولها إلى جميع الطلّاب بشكل كافٍ.

بخصوص الموادّ التي تحتاج إلى وسائل عمليّة، مثل العلوم، فتحتاج إلى تجارب ومختبرات. كنّا نكتفي بالشرح النظريّ، ونحاول قدر الإمكان استخدام موادّ بسيطة متوفّرة في البيئة المحيطة لتقريب المفهوم.

 

رابعًا: التفريغ النفسيّ والدعم الاجتماعيّ في السياسات التعليميّة الطارئة

لا يمكن الحديث عن التعليم في الخيام بمعزل عن الجانب النفسيّ والاجتماعيّ. فالأطفال في الخيام لا يحملون حقائب مدرسيّة فقط، بل يحملون فوق أكتافهم الصغيرة عبئًا نفسيًّا ثقيلًا من صدمات متتالية: النزوح وفقدان المنزل، فراق الأهل والأصدقاء، ومشاهد لا تناسب أعمارهم، فهم بحاجة إلى تفريغ نفسيّ يعيد إليهم توازنهم.

في المبادرة التعليميّة التي أعايشها، تحوّل المعلّم من ناقل للمعرفة إلى معلّم ومرشد نفسيّ في آن واحد: يفهم طلّابه ويشعر بمعاناتهم، ويقرأ حالتهم النفسيّة؛ فالتعليم في الظروف الطارئة لا يمكن أن ينجح من دون أن يرافقه دعم نفسيّ متكامل. وفي استجابة رسميّة للدعم النفسيّ، قامت وزارة التربية والتعليم بتعيين مرشد تربويّ في كلّ مدرسة، لتنفيذ جلسات إرشاديّة فرديّة وجماعيّة للطلّاب، وتنظيم أنشطة تفريغ نفسيّ تساعد الأطفال على التعبير عن مكنوناتهم والتخلّص من ضغوطاتهم. فالدعم النفسيّ مكوّن أساسيّ من مكوّنات العمليّة التعليميّة في الظروف الطارئة.

ولتوفير بيئة مناسبة لهذه الأنشطة، رُكِّبت خيمة واسعة المساحة داخل المبادرة بجهود دوليّة، خُصّصت لتنفيذ الأنشطة والفعّاليّات النفسيّة والترفيهيّة. في هذه الخيمة، يعبّر الطلبة عن مشاعرهم ومكنوناتهم. وقد تنوّعت الأنشطة المنفّذة فيها لتشمل مجالات إبداعيّة متعدّدة، فمؤسّسة "أيام المسرح" شاركت الطلبة في تنفيذ ورش لإنتاج أفلام رسوم متحرّكة بشخصيّات من ابتكارهم، ما أتاح لهم فرصة التعبير عن أنفسهم وقصصهم بطريقة جذّابة.

 كما نفّذت ورش لتدريب الطلبة على الدراما الاجتماعيّة، بهدف معالجة مشكلات وسلوكيّات اجتماعيّة لديهم، وتعليمهم مهارات التعامل مع الآخرين. وفي إطار الشراكات المجتمعيّة الداعمة للصحّة النفسيّة، شاركت مؤسّسة تامر للتعليم المجتمعيّ في تنفيذ نشاط "التعافي باللعب" الموجّه لصفوف المرحلة الابتدائيّة، بهدف إعادة التوازن النفسيّ للطلّاب، وتوفير مساحة للتفريغ الانفعاليّ، ومعالجة ما بعد الصدمة لديهم، بالحركة والتفاعل مع زملائه في بيئة آمنة.

 ولم تغفل الإدارة عن المعلّمين أنفسهم، فكان الاهتمام بالمعلّم لا يقلّ أهمّيّة عن الاهتمام بالطالب. فالمعلّمون يتعرّضون إلى ضغوط نفسيّة هائلة، وهم يعيشون الظروف نفسها التي يعيشها الطلّاب؛ لهذا، قامت المدرسة بتنفيذ فعّاليّات وأنشطة تفريغ نفسيّ للمعلّمين، بهدف تجديد نشاطهم ومساندتهم في مهامهم الوظيفيّة، وتخفيف الضغوط النفسيّة المتراكمة عليهم. هذا المشهد المتكامل للدعم النفسيّ في مبادرات التعليم بالخيام يعكس تحولًا مهمًّا في مفهوم السياسات التعليميّة الطارئة، حيث لم يعد التركيز منصبًّا على التعلّم فقط، بل شمل الجانب النفسيّ.

 

خامسًا: التوصيات

بناءً على ما سبق، تمكن صياغة مجموعة من التوصيات الموجّهة لصنّاع القرار التربويّ، وللقائمين على مبادرات الخيام التعليميّة:

1. تطوير سياسات تعليميّة طارئة مرنة تستجيب لخصوصيّة التعليم في الخيام، مع وضع معايير إلزاميّة لمواصفات البنية التحتيّة في التعليم في الطوارئ، لضمان بيئة صحّيّة كريمة.

2. تأمين سلسلة توريد مستدامة للسبّورات والطباشير والأدوات والقرطاسيّة وورق التصوير وحبر الطباعة، بتخصيص ميزانيّة طارئة لضمان توافرها باستمرار.

1. تطوير "منهج طارئ" وطنيّ (National Emergency Curriculum) بشكل رسميّ، يكون مخفّفًا ومركّزًا على الكفاءات الأساسيّة (اللغة العربيّة، والرياضيّات والعلوم، واللغة الإنجليزيّة، والمهارات الحياتيّة)، ويأخذ في الاعتبار ضيق الوقت (4 حصص، 3 أيّام أسبوعيًّا)، بحيث لا يضطر المعلّمون إلى اجتهادات فرديّة في التكييف، قد تتفاوت في جودتها.

3. إعادة النظر في الموادّ الملغاة وإيجاد وسائل وإجراءات لتنفيذها مع ما يتناسب مع ظروف الخيام التعليميّة والطلبة.

3. إدراج برامج دعم نفسيّ خاصّة بالمعلّمين ضمن السياسات التعليميّة، لأنّ المعلّم المرتاح نفسيًّا وحده القادر على منح الطلّاب الراحة النفسيّة.

4. تخصيص خيام مستقلّة داخل المبادرات للدعم النفسيّ، تكون مجهّزة بوسائل التهوية، والترفيه والتفريغ النفسيّ، ويديرها مختصّون، لتكون مكانًا مريحًا للطالب الذي يحتاج إلى رعاية خاصّة.

5. بناء قاعدة بيانات شاملة لتجارب التعليم الطارئ، توثّق المبادرات الناجحة والتحدّيات التي واجهتها، للاستفادة منها في تطوير السياسات المستقبليّة.

 

***

في ختام شهادة الميدان التي عشتُ تفاصيلها يومًا بيوم داخل الخيام التعليميّة، أكّدت لنا التجربة أنّ السياسة التعليميّة الناجحة ليست الأكثر تفصيلًا وصرامة، بل الأكثر مرونة وإنسانيّة، القادرة على التكيّف مع الظروف والإمكانات المتاحة، والمشاركة الفاعلة بين الوزارة والمجتمع المحلّيّ والمنظّمات الدوليّة، ولا يمكن أن تحقّق أهدافها من دون أن تضع المعلّم والمتعلّم بجميع احتياجاته ضمن أولويّاتها.