مثلما تطوّر الهاتف من مجرّد وسيلة للاتّصال إلى هاتف ذكيّ يحوي عالمًا متشابكًا، فإنّ هاتف الأب والأمّ تحوّل بالتبعيّة إلى لوحة تحكّم شبه كاملة، يحاولون بواسطتها متابعة حياة أطفالهم، وتوفير طبقة حماية افتراضيّة في عالم يحمل لهم تهديدات تتزايد كلّ يوم. هذا التحوّل تجسّد في بروز ظاهرة تطبيقات مراقبة الأبناء، والتي غزت مختلف دول العالم، حاملةً معها العديد من المزايا، مثل الاطمئنان المستمرّ على الأطفال، بجانب العديد أيضًا من الإشكاليّات المعقّدة، خصوصًا في ما يتعلّق بالحدود بين الحماية والخصوصيّة، وطبيعة العلاقات الأسريّة في العصر الرقميّ.
المتابعة البسيطة أم المراقبة الشاملة للأطفال؟
شهد مفهوم الرقابة الأسريّة تحوّلًا جذريًّا في السنوات الأخيرة، إذ انتقل من مجرّد السؤال التقليديّ للطفل: "أين كنت؟" وصولًا إلى المراقبة المستمرّة بواسطة أنظمة تحديد المواقع. مع العلم أنّ هذه التطبيقات لم تعد تقتصر على رصد موقع الطفل، بل توسّعت لتشمل مراقبة قيادة السيّارة، وتتبّع النفقات، وفحص الرسائل، بل وحتّى القيام بالتسجيل الصوتيّ عن بُعد.
وفي ما يتعلّق بهذه التطبيقات، يمكننا في أبسط تعريف أن نقسّمها إلى نوعَين أساسيَّين:
الأوّل: تطبيقات التتبّع البسيطة التي تسمح للآباء والأمّهات بمعرفة مكان أطفالهم في الوقت الحقيقيّ.
الثاني: تطبيقات المراقبة الشاملة التي تسمح بجمع بيانات غير محدودة من الهواتف المتّصلة بها، مثل مدّة النظر إلى الشاشة، وإدارة تطبيقات هاتف الطفل، وإدارة ما يشاهده على الإنترنت، وتأمين حساباته على المواقع المختلفة، وتلقّي إشعارات عن أنشطة الطفل على هاتفه.
ويصل المدى الواسع من التحكّم الذي تتيحه بعض هذه التطبيقات، إلى حدّ السماح للوالدين بتشغيل الميكروفون المدمج في هواتف أطفالهم عن بعد، كما أنّ بعض التطبيقات تذكر صراحة ضمن مميّزاتها أنّها تحتوي على وضع التخفّي الذي يمنع الطفل من معرفة من يتابعه.
عوامل انتشار تطبيقات مراقبة الأطفال
يمكننا أن نعزو الانتشار الكبير لهذه التطبيقات إلى العديد من العوامل، منها على سبيل المثال:
- 1. تأثّر غريزة الحماية بالإعلام: قد يكون اعتماد الآباء والأمّهات الكبير على تطبيقات المراقبة والتتبّع ردّ فعل عاطفيّ ومفهوم، على الأخبار والقصص التي تُعرض باستمرار حول ما يُطلق عليه الأخطار الجسيمة التي يتعرّض إليها أطفالنا. وهنا نشير إلى أنّ العرض الدائم لهذه الأخبار، مع كونها حقيقيّة، يخلق حالة من هذا الخوف المُستدام على الأطفال، يغذّي الحاجة إلى حلول فوريّة، تجعل الأب والأمّ يشعران بالأمان على أطفالهما.
- 2. تعقيد الحياة العصريّة: تمثّل هذه التطبيقات حلًّا مثاليًّا لتنظيم الفوضى في البيوت، وذلك مع ازدياد انشغال الآباء والأمّهات، وتشعّب جداول المواعيد، وتعدّد الأنشطة المطلوبة، فهي تتيح البقاء على اطّلاع بالتقويمات، والتذكير بالمواعيد الهامّة، وتتبّع النفقات، وتخزين السجلّات الطبّيّة والمستندات المهمّة لاسترجاعها بسرعة عند الحاجة.
- 3. تغيّر النموذج التربويّ: نعيش حاليًّا في عصر أصبحت فيه الشاشات نافذة الأطفال الرئيسيّة على العالم، ما يُشعر الآباء والأمّهات بالحاجة إلى أدوات للتكيّف مع هذا الواقع الجديد. فإذا كان الطفل يقضي وقتًا طويلًا أمام الشاشات، فإنّهما يريان أنّ المراقبة المستمرّة للتفاعلات الرقميّة، أصبحت امتدادًا طبيعيًّا وضروريًّا لدورهما التربويّ.
إيجابيّات تطبيقات مراقبة الأبناء
يؤكّد مؤيّدو هذه التطبيقات أنّها أدوات ضروريّة في عالم خطير، فهي تقدّم المميّزات الآتية:
- - توفير راحة بال حقيقيّة للوالدَين في ما يخصّ سلامة أطفالهم.
- - تسهم في تنظيم الحياة المعقّدة للأسر، إذ يفرض انشغال كلّ من الأب والأمّ بعملهما تقلّص الوقت المخصّص للطفل.
- - تعدّ وسيلة عمليّة للتربية المشتركة في حالات انفصال الأب والأمّ.
- - توفّر بيانات عن حالات واقعيّة استخدم فيها الآباء والأمّهات تطبيقات المراقبة والتتبّع، لمعرفة مكان أطفال ومراهقين تعرّضوا لحوادث، منها حالات اختطاف.
سلبيّات تطبيقات مراقبة الأبناء
يشير معارضو هذه التطبيقات إلى أنّها توفّر أمانًا وهميًّا، وتعيق النموّ الصحّيّ للطفل، وتتسبّب في مضارّ مثل:
- - مع كون المراقبة المستمرّة تعطي شعورًا زائفًا بالأمان لدى الأب والأمّ، فإنّها تقوّض استقلاليّة الطفل وقدرته على مواجهة التحدّيات المختلفة.
- - تهدّد حقّ الطفل في الخصوصيّة، والذي يعتبر أساسيًّا لنموّه الصحّيّ.
- - كما أنّه لا توجد أدلّة واضحة على أنّ أيًّا من هذه التطبيقات يحافظ على أمان الأطفال بشكل مباشر.
التداعيات النفسيّة والتربويّة
وهنا نتعمّق قليلًا في الجوانب الخفيّة لتطبيقات مراقبة الأبناء التي يغفلها الآباء والأمّهات، والتي قد لا تظهر تأثيراتها إلّا على المدى الطويل، نذكر منها:
- - تآكل الثقة المتبادلة: من أهمّ عناصر التطوّر الطبيعيّ للطفل أن يتعلّم أن يثق بوالده ووالدته، وأن يثقا به. وبالتالي، فالاعتماد على تطبيقات المراقبة الخفيّة يقوّض هذه المنظومة، وقد يدفع الأطفال إلى إخفاء بعض الأمور عن الوالدَين، والبحث عن طرق أكثر ذكاءً للهروب من هذه المراقبة.
- - إعاقة تشكيل المسؤوليّة: عندما يتعوّد الأبناء أنّ المراقبة الخارجيّة تمثّل الضابط الأساس لسلوكهم، ستحدث إعاقة لعمليّة تطوير الضمير الداخليّ والقدرة على تحمّل المسؤوليّة، ما قد يؤخّر نضجهم النفسيّ والاجتماعيّ.
- - تغيّر العلاقة الأسريّة: تحوّل تطبيقات مراقبة الأبناء العلاقة بين الوالدَين والطفل من الثقة والحوار إلى الرقابة والشكّ. كما إنّ مشاركة البيانات الخاصّة على منصّات خارجيّة تثير تساؤلات حول حدود الخصوصيّة والأمان الرقميّ.
- - إهمال السياق: يجب أن يعرف كلّ أب وأمّ أنّ معرفة موقع أبنائهما باستمرار لا تعني بالضرورة معرفة ما يحدث معهم. فقد يكونان على علم بأنّ الطفل في المدرسة الآن، ولكنّهما لن يعرفا إذا كان يتعرّض إلى التنمّر أو يواجه صعوبات دراسيّة مثلًا.
الاستخدام الرشيد لتطبيقات مراقبة الأبناء
مع هذا القدر من التعقيد، والتحدّيات التي تحملها هذه التطبيقات، تبرز الحاجة إلى وضع قواعد واضحة يمكن بها استخدام هذه الأدوات الرقميّة، من دون التضحية بالقيم التربويّة الأساسيّة، ومنها:
- - الحرص على الشفافيّة والحوار: يجب أن يتحدّث الآباء والأمّهات مع أطفالهم بشأن استخدام مثل هذه التطبيقات؛ فمعرفة الطفل ما يقوم به والداه يجعل التطبيق إمّا أداة تربية وتقويم سلوك، وإمّا أداة قهر وتدمير للطفل، أي الاختيار بين بناء الثقة وتدميرها.
- - التدرّج والتكيّف مع نموّ الطفل: يجب تعديل استخدام التطبيقات مع تقدّم الأطفال في العمر، فالمراقبة المطلوبة للمراهق تختلف عن المراقبة المطلوبة لطفل صغير، أمّا مع اقتراب انتهاء هاتَين المرحلتَين، فإنّ المراقبة قد لا تكون ضروريّة.
- - الموازنة بين التطبيقات والأبوّة والأمومة: يجب أن تظلّ هذه التطبيقات أدوات مساعدة وليست بديلًا عن التواصل الإنسانيّ، فتجب معرفة متى يجب وضع الهاتف جانبًا، وممارسة الدور الأبويّ والأموميّ المباشر.
- - احترام الخصوصيّة: يجب أن يوازن الأب والأمّ بين الحماية والخصوصيّة، مع إدراك أنّ للطفل الحقّ في مساحة خاصّة، خصوصًا مع نموّه.
***
في النهاية، لا يمكن القطع بأنّ هذه التطبيقات جيّدة أو سيّئة بشكل مطلق، إنّما نقول إنّها أدوات قويّة قد تساعد في عمليّة التربية، وقد تزيد من تعقيدها. والذكاء في عدم رفضها أو تبنّيها بشكل كامل، بل في فهم تداعياتها واستخدامها بطريقة واعية، تحقّق التوازن بين السلامة الجسديّة والنفسيّة للطفل، وبين حمايته واستقلاليّته، وبين مراقبته والثقة به.
وتبقى العلاقات الأسريّة الصحّيّة المبنيّة على الثقة والحوار والمصارحة، الضمان الحقيقيّ لسلامة الأبناء، وتبقى التطبيقات مجرّد أدوات مساعدة في الرحلة التربويّة الفريدة.
المصادر
- https://www.bbc.com/arabic/vert-cap-59161801
- https://www.bgmrlaw.com/blog/2022/06/pros-and-cons-of-co-parenting-apps/
- https://www.magicmum.com/parenting-apps-the-pros-and-cons/


