مخاطر حسابات التواصل الاجتماعيّ للأطفال
مخاطر حسابات التواصل الاجتماعيّ للأطفال

في عصر التحوّل الرقميّ، لم تعد بداية حياة الطفل مرتبطة بلحظة ولادته فحسب، بل أصبحت ترتبط أيضًا بتشكّل بصمته الرقميّة التي قد ترافقه طوال حياته. فكثير من الآباء والأمّهات يبدؤون، منذ لحظة ولادة طفلهم، بتصويره ومشاركة صوره وفيديوهاته، في ما يُعرف بمصطلح Sharenting، وهو مزيج بين المشاركة Sharing والتربية Parenting. وقد يُنظر إلى هذه الممارسة على أنّها تعبير بريء عن الفرح بالمولود الجديد، إلّا أنّها تحوّلت مع الوقت إلى ظاهرة اجتماعيّة معقّدة، تطرح إشكاليّات حقيقيّة تتعلّق بحقوق الطفل، وحدود ممارسات الأبوّة والأمومة، وأخلاقيّات استخدام التكنولوجيا في العصر الرقميّ الشامل. ويؤكّد ذلك أنّ الأجيال الحاليّة باتت تكتسب هويّة رقميّة إلى جانب هويّتها الواقعيّة، الأمر الذي يضع كلّ أب وأمّ أمام تحدّيات غير مسبوقة.

 

الولادة الرقميّة

قد تبدأ الهويّة الرقميّة للطفل قبل ولادته الفعليّة، مع مشاركة صور الجنين بالموجات فوق الصوتيّة، أو حتّى إعلان الحمل على وسائل التواصل الاجتماعيّ، ما يعدّ مؤشّرًا على تحوّل جذريّ في مفهوم الطفولة. ومع رحلة الجنين وصولًا إلى الرضيع وإلى الطفل وإلى المراهق، تتزايد الصور التي يشاركها الآباء والأمّهات على الفضاء الرقميّ.

هذا التراكم الرقميّ يستهدف إعداد سجلّ للذكريات العائليّة، ولكنّه يتسبّب في استخدام هويّة الأطفال في الاحتيال الإلكترونيّ، ما قد يؤثّر في حياة الطفل في المستقبل بشكل سلبيّ.

 

التحدّيات الخفيّة لوجود هويّة رقميّة للأطفال

تتعدّد التحدّيات المرتبطة بالهويّة الرقميّة للأطفال، ومنها:

- استخدامها في الجريمة المنظّمة الرقميّة: لم تعد مشكلات الهويّة الرقميّة تقتصر على التنمّر أو التعرّض إلى الإحراج المستقبليّ، بل أصبحت جزءًا من منظومة إجراميّة منظّمة عابرة للحدود. فتجميع بيانات ملايين الأطفال يخلق هدفًا ثمينًا للقراصنة، قد تُباع ويُتلاعَب بها على الشبكة المظلمة.

- تتحوّل الصورة البسيطة للطفل التي يشاركها الأب أو الأمّ إلى أداة للتلاعب، مثل صورة اليوم الأوّل في المدرسة، والتي على بساطتها قد تكشف موقع المنزل (من الخلفيّة أو العلامات)، والعادات اليوميّة (مثل وقت الذهاب إلى المدرسة)، وحتّى الإجابات المحتملة لأسئلة الأمان الخاصّة بحسابات الوالدين (مثل اسم الشارع الذي يقطنون فيه). وقد يستخدم المجرمون هذه المعلومات لإنشاء هويّات مزيّفة كاملة، أو لاستغلالها في عمليّات الاحتيال والابتزاز.

- الاستنساخ بالذكاء الاصطناعيّ: قد تُسرق صور الأطفال وتُعرض على وسائل التواصل الاجتماعيّ. وتستطيع أدوات الذكاء الاصطناعيّ إنشاء نسخ مماثلة رقميّة من الأطفال، باستخدام عيّنة صوتيّة أو صورة واحدة فقط، ثمّ استخدامها لإيذاء الأسرة.

- الاستهداف التسويقيّ: كلّ ما يُنشر عن الطفل من صور وفيديوهات يسهم في بناء هويّته الرقميّة منذ وقت مبكّر، ما يسمح بتتبّعه تسويقيًّا، وبناء صورة دقيقة عنه بوصفه مستهلكًا محتملًا مع تقدّمه في العمر.

 

المسؤوليّة على مستوى الأسرة والفضاء الرقميّ

تتطلّب التربية الرقميّة الواعية دورًا فاعلًا للأسرة، يتمثّل في الآتي:

- المراقبة النشطة: تعني إدماج التربية الرقميّة في قاموس الأسرة، وتنمية الوعي لدى الطفل بالمخاطر المرتبطة بمشاركته في بناء هويّته الرقميّة، وذلك بمراقبة الوقت الذي يقضيه أمام الشاشات، وفهم طبيعة المحتوى الذي يتعرّض إليه، والتفاعلات التي يخوضها. كما أنّ مستوى وعي الأب والأمّ بما يشاركانه عن طفلهما، ومشاركتهما في تجربة عالمه الرقميّ، يسهم في شعوره بالأمان وبناء الثقة.

- الحوار المستمرّ: ويقوم على مناقشة التجارب الرقميّة التي يمرّ فيها الطفل، بما يتيح له فهم مشاعره والمواقف التي يتعرّض إليها، وتنمية مهارات التعاطف والتواصل، وبالتالي تطوير قدرة أكبر لديه على التمييز بين الواقع والعالم الافتراضيّ.

- الحدود الواضحة: لا بدّ من وضع قواعد واضحة ومرنة تحافظ على التوازن بين الحريّة والانضباط. فالأطفال الذين ينشؤون في بيئة تضع حدودًا واضحة للتفاعل الرقميّ، يُظهرون سلوكيّات اجتماعيّة أكثر توازنًا، وقدرة أكبر على التحكّم في انفعالاتهم.

 

تعزيز حماية البيانات الشخصيّة، وذلك في مواقع التواصل الاجتماعيّ وغيرها، عن طريق:

- تعزيز إعدادات الخصوصيّة الافتراضيّة: أي تحويل الإعدادات الافتراضيّة إلى الاختيارات الأكثر أمانًا، بدلًا من جعل المستخدم يبحث عنها ويغيّرها بنفسه. 

- تطوير تقنيّات المصادقة متعدّدة الخطوات: وذلك لحماية حسابات الأطفال من الاختراق. 

- زيادة شفافيّة قواعد جمع البيانات: أي جعلها مفهومة للآباء والأمّهات والأطفال.

 

توصيات عمليّة

يجب على الآباء والأمّهات تثقيف أنفسهم لحماية أطفالهم، والحرص على القيام ببعض الخطوات الضروريّة، مثل:

- المشاركة الخاصّة وليس العامّة بما يشمل: 

  1. 1. استخدام تطبيقات المراسلة المشفّرة بدلًا من وسائل التواصل الاجتماعيّ العامّة.
  2. 2. إنشاء مجموعات عائليّة خاصّة لتبادل الصور والفيديوهات الخاصّة بأطفالهم.
  3. 3. التنبيه على الأقارب والأصدقاء بعدم مشاركة صور الأطفال.

- تعزيز الأمان الرقميّ بما يشمل:

  1. 1. تعطيل خدمات تحديد الموقع عند التقاط الصور.
  2. 2. استخدام تقنيّات إخفاء الوجه عند مشاركة صور للعامّة. 
  3. 3. المراجعة الدوريّة لإعدادات الخصوصيّة على مواقع التواصل الاجتماعيّ. 

- بناء وعي رقميّ عائليّ بما يشمل:

  1. 1. إشراك الأطفال في قرارات مشاركة الصور والفيديوهات.
  2. 2. تعليم الأطفال مفاهيم الخصوصيّة الرقميّة، بما يناسب أعمارهم.
  3. 3. تقديم بدائل جذّابة للأطفال تغنيهم عن التفاعل الرقميّ.

- المراقبة الاستباقيّة بما يشمل:

  1. 1. البحث بشكل دوريّ عن اسم الطفل على الإنترنت، لمتابعة ما يستجدّ.
  2. 2. استخدام خدمات مراقبة الهويّة الرقميّة.
  3. 3. التحقّق من وجود خروقات لسلامة الحسابات.

 

***

وختامًا نقول إنّ الهويّة الرقميّة للطفل لم تعد مجرّد بصمة عاديّة، بل أصبحت إرثًا رقميًّا قد يشكّل فرص الطفل في التعليم والعمل، وحتّى بناء العلاقات الشخصيّة في المستقبل، وحماية هذا الإرث تتطلّب وعيًا كبيرًا. فالطفل الذي ينشأ في عالم رقميّ يحتاج إلى أدوات تمكّنه من بناء هويّته الرقميّة بعناية، لتصبح إيجابيّة وآمنة، وهذا لا يعني منعه من استخدام التكنولوجيا، بل تمكينه من السيطرة عليها، كي يكون قادرًا على حماية حقّه في الخصوصيّة، وحرّيّته في بناء سرديّته الخاصّة، وفي تشكيل شخصيّته الواقعيّة والرقميّة.

ويكمن التحدّي الكبير في الموازنة بين خلق جيل جديد قادر على الاستفادة من إيجابيّات العالم الرقميّ، وتجنّب أخطار هذا العالم، جيل يستطيع بناء هويّته الرقميّة بوعي، وحماية خصوصيّته بمسؤوليّة، ويشارك بإيجابيّة في تشكيل مستقبله الرقميّ. وتتمثّل نقطة البداية في وعي الآباء والأمّهات، كونهم من يضعون حجر الأساس في تشكيل هذه الهويّة.

 

المصادر

- https://www.go.com.mt/blogs/how-to-protect-your-childs-digital-identity/

- https://www.bitdefender.com/en-au/blog/hotforsecurity/the-impact-of-sharenting-how-the-digital-identity-you-create-for-your-child-today-could-affect-their-future

https://3qool.net/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%84%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%84- %D8%B9%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%20%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%91%D9%84%D8%A7%D8%AA%20%D9%81%D9%8A%20%D9%84%D8%BA%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%84%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%88%D9%83

https://alarabinuk.com/%D8%AE%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D8%B0%D9%91%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A3/