أطلقت إصدارات ترشيد التربويّة كتاب "الاستقصاء القائم على المفاهيم في أطواره التطبيقيّة: استراتيجيّات الفهم القابل للنقل" (2025)، من تأليف كارلا مارشال وريتشل فرنش، وترجمة هيفاء أبو النادي.
يقدّم هذا الكتاب مرجعًا شاملًا يجمع بين العمق النظريّ والتطبيق العمليّ، إذ يركّز على المنهج القائم على المفاهيم، ويعتمد الاستقصاء أداةً محوريّة للتعلّم، ويعرض استراتيجيّات تدريسيّة واضحة، وأمثلة واقعيّة، وموادّ مرئيّة في مقاطع فيديو، إلى جانب موارد قابلة للتنزيل، مثل القوالب والنماذج الجاهزة.
يمتدّ الكتاب على 549 صفحة من القطع المتوسّط، ويأخذ المعلّمين في رحلة تعليميّة متكاملة، بدءًا من بناء التصوّرات المفاهيميّة لدى الطلّاب، وصولًا إلى نقل هذه المفاهيم وتطبيقها في سياقات تعليميّة متنوّعة.
رؤية منهجيّة معاصرة
يقدّم كتاب "الاستقصاء القائم على المفاهيم" إضافة نوعيّة إلى أدبيّات تطوير المناهج والتدريس المعاصر، بمزجه المنهجيّ بين نظريّة التعلّم القائم على المفاهيم، وممارسات التعلّم القائم على الاستقصاء، في إطار تطبيقيّ واضح ومتكامل. فالكتاب لا يكتفي بعرض تصوّر نظريّ للاستقصاء، بل يذهب أبعد من ذلك، مقدّمًا نموذجًا إجرائيًّا مفصّلًا، مدعومًا باستراتيجيّات، وأمثلة صفّيّة، وأدوات تخطيط، وموارد رقميّة، تجعل منه دليلًا عمليًّا للمعلّمين من مرحلة الطفولة المبكّرة حتّى الصفّ الثاني عشر.
ينطلق العمل من إشكاليّة تربويّة مألوفة في الصفوف: كيف يمكن توظيف أسئلة الطلّاب العفويّة في بناء فهم مفاهيميّ عميق، بدل أن تبقى مجرّد تساؤلات متفرّقة لا يجمعها إطار؟ ومن هنا، تقترح المؤلّفتان نموذجًا للاستقصاء القائم على المفاهيم، يهدف إلى نقل الطلّاب من مستوى الحقائق والمهارات الجزئيّة، إلى مستوى التعميمات القابلة للنقل بواسطة سياقات جديدة. فالاستقصاء، في هذا التصوّر، ليس غاية في ذاته، بل وسيلة منظّمة لتوليد أفكار كبرى، تُبنى عبرها المعرفة على نحو مترابط ومتدرّج.
يقوم الكتاب على تمييز دقيق بين التعلّم القائم على الاستقصاء، والتعلّم القائم على المفاهيم، مبيّنًا أنّ الأوّل يركّز على توظيف الأسئلة النشطة لتحفيز التعلّم، في حين ينظّم الثاني المحتوى حول أفكار مجرّدة ودائمة وشاملة. ويشكّل "الاستقصاء القائم على المفاهيم" منطقة التقاء بين النهجَين؛ إذ يُصمّم التعلّم فيه بحيث يقود إلى بناء تعميمات تربط بين مفهومَين أو أكثر، في صيغة علاقة ذات معنى. وتستند المؤلّفتان في هذا الإطار إلى أعمال هـ. لِن إريكسون ولويس أ. لانِنغ في بنية المعرفة وبنية العمليّة، مع تطوير تطبيقيّ يراعي الواقع الصفّيّ.
معماريّة الاستقصاء القائم على المفاهيم
يتوزّع الكتاب على ثلاثة أقسام مترابطة. يضع القسم الأوّل الأسس النظريّة، موضّحًا سلسلة التعليم المتّصل بين التدريس المباشر والاستقصاء المفتوح، ومؤكّدًا أنّ اختيار النهج ينبغي أن يكون مقصودًا تبعًا لأهداف التعلّم. أمّا القسم الثاني، فيركّز على تخطيط الوحدات باستخدام أدوات عمليّة، مثل "نسيج الوحدة" و"تحليل التعميمات"، بما يعزّز مواءمة الأسئلة الإرشاديّة مع المفاهيم المحفّزة. ويأخذ القسم الثالث القارئ في رحلة في مراحل نموذج الاستقصاء الذي صمّمته المؤلّفتان: الانغماس الذهنيّ، والتركيز، والاستكشاف، والتنظيم، والتعميم، والنقل، ثمّ التأمّل.
تتميّز هذه المراحل بكونها مترابطة لا خطّيّة، إذ يُشدّد على الربط المستمرّ بينها، وعلى بناء ثقافة صفّيّة تدعم التفكير المفاهيميّ. ففي مرحلة الانغماس، تُستثار المعرفة السابقة وتُحفّز الدافعيّة، وفي التركيز، تُبنى المفاهيم باستخدام استراتيجيّات متنوّعة، ثمّ يُتاح للطلّاب في الاستكشاف التعامل مع أمثلة واقعيّة ومصادر متعدّدة. أمّا التنظيم، فيُعنى بتكوين المعنى عبر المنظِّمات البيانيّة، وصولًا إلى صياغة تعميمات قويّة في مرحلة التعميم، ثمّ اختبارها ونقلها إلى سياقات جديدة. ويُختتم المسار بالتأمّل بوصفه عنصرًا بنيويًّا في بناء الاستقلاليّة الفكريّة.
موارد داعمة تعزّز التعلّم المفاهيميّ
ومن أبرز ما يقدّمه الكتاب ثراء الاستراتيجيّات التعليميّة العمليّة، مثل نموذج فراير، والمجموعات الجزئيّة والمتقاطعة والمنفصلة، والخرائط المفاهيميّة، وبروتوكولات النقاش، وغيرها من الأدوات التي تدعم تكوين المفاهيم وتنظيم المعرفة. ولا تُطرح هذه الاستراتيجيّات بوصفها وصفات جاهزة، بل بوصفها خيارات يُنتقى منها وفق الغاية التعليميّة والسياق الصفّيّ. كما يُرفق الكتاب بموارد إلكترونيّة تتضمّن مقاطع فيديو من صفوف حقيقيّة حول العالم، وقوالب قابلة للتنزيل، وعيّنات تخطيط، بما يعزّز صلته بالتطبيق.
يتّسم الأسلوب بالوضوح والتنظيم، مع حرص على المزج بين الخلفيّة النظريّة والتطبيق العمليّ، في انسجام مع رؤية المؤلّفتَين إلى ضرورة التوازن بينهما. فالكتاب موجّه إلى المعلّمين الجدد والخبراء على حدّ سواء، إذ يتيح مسارًا تدريجيًّا لمن يتعرّف إلى المنهجيّة لأوّل مرّة، كما يقدّم أفكارًا متقدّمة لمن يسعى لتعميق ممارسته.
يأتي هذا الإصدار مكمّلًا لكتاب "التدريس والمنهاج القائمان على المفاهيم" الذي أطلقته إصدارات ترشيد التربويّة سنة 2024، ليشكّلا معًا إطارًا بيداغوجيًّا متكاملًا.




نشر في عدد (24) ربيع 2026