أصوات المعلّمين والمعلّمات بين البقاء والمقاومة
أصوات المعلّمين والمعلّمات بين البقاء والمقاومة
أسماء رمضان مصطفى | مُعلّمة لُغة إنجليزيّة- فلسطين
محمّد عوض توفيق شبير | باحث متخصّص في القضايا التعليميّة والمجتمعيّة- فلسطين
ختام أبو الربّ | مرشدة تربويّة وناشطة مجتمعيّة - فلسطين
ندى الأشقر | معلّمة تكنولوجيا معلومات ومدرّبة في التعليم الإلكترونيّ.

مداخلات قُدّمت في جلسة نظّمتها مجلّة منهجيّات بعنوان "الإبادة التعليميّة في سنتها الثانية: عن معنى التعليم في زمن الإبادة"، ضمن المنتدى السنويّ لفلسطين 2026 الذي نظّمه المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات ومؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة في الدوحة. 

1. التعليم تحت وطأة الإبادة في غزّة: من أولويّة وطنيّة إلى معركة بقاء 

حين نتحدّث عن التعليم في غزّة اليوم، فنحن لا نصف أزمة تعليميّة تقليديّة، ولا نتعامل مع خلل مؤقّت في النظام المدرسيّ، بل نواجه حالة انهيار بنيويّ شامل، فرضته الإبادة المستمرّة التي استهدفت الإنسان والمكان، وكلّ ما يمنح الحياة معناها، وفي مقدّمة ذلك: التعليم.

تغيّر موقع التعليم في غزّة من كونه أحد أعمدة المشروع الوطنيّ والتنمية البشريّة، إلى كونه مسألة بقاء يوميّ، تُمارَس في سياق فقدان الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة: مدارس مدمّرة، وبنى تحتيّة منهارة، وانعدام شبه كامل للأمان، وفقدان واسع في صفوف الطلبة والمعلّمين على حدّ سواء.

في هذا الواقع القاسي، يتحوّل التعليم إلى فعل مقاومة أخلاقيّ، وحماية للهويّة، ومساحة أمل أخيرة، يحاول فيها المعلّمون والأهالي إنقاذ ما يمكن إنقاذه من إنسانيّتنا المشتركة، وسط صمت دوليّ وعجز مؤسّساتيّ خانق.

 

أوّلًا: إعادة تعريف الطالب والمتعلّم 

الطالب في غزّة لم يعد متعلّمًا بالمعنى التربويّ التقليديّ، بل أصبح ناجيًا يحاول التمسك بأيّ شكل من أشكال الاستمراريّة. والعمليّة التعليميّة تُمارَس اليوم في مراكز إيواء، أو في خيام، أو في مساحات مكتظّة، وفي ظلّ صدمات نفسيّة عميقة ناتجة عن الفقد والنزوح، وعن الخوف المزمن الذي يتكرّر يوميًّا منذ عامَين من دون انقطاع.

في هذا السياق، لم يعد الانقطاع عن التعليم خيارًا، بل نتيجة قهريّة لواقع قاسٍ، ما يفرض علينا إعادة النظر في مفاهيم الالتزام والغياب والتقييم والنجاح الأكاديميّ، ضمن منظومة تربويّة لم تعد قائمة أصلًا، إذ يعيش المتعلّمون في غزّة ظروفًا قاهرة، تتقاطع فيها دوائر الفقر والنزوح مع انعدام الإمكانات الأساسيّة للتعلّم الكريم. فالكثير من الطلبة فقدوا منازلهم وكتبهم وأدواتهم المدرسيّة، ويقضون أيّامهم في خيام أو مراكز إيواء تفتقر لأبسط مقوّمات الخصوصيّة والتركيز. فلا مساحات آمنة ولا بيئة داعمة، في ظلّ تجويع ممنهج وحرمان مستمرّ من الغذاء والماء والرعاية النفسيّة. وإلى جانب ذلك، يواجه هؤلاء المتعلّمون غيابًا شبه كامل للاحتواء الرسميّ، وافتقارًا إلى سياسات تعليميّة مرنة تراعي واقعهم الإنسانيّ، ما يضاعف هشاشتهم، ويجعل التعلّم عبئًا نفسيًّا إضافيًّا بدل أن يكون مساحة أمان.

 

ثانيًا: تحوّل دور المعلّم في ظلّ الإبادة 

يتمثّل أحد أكثر التحوّلات عمقًا في الدور الجديد للمعلّم في غزّة. فالمعلّم لم يعد ناقلًا للمعرفة أو منفّذًا للمنهاج، بل تحوّل إلى فاعل إنسانيّ واجتماعيّ ونفسيّ، يعمل في ظروف قصوى، وهو ذاته متأثّر بالفقد والنزوح وعدم الأمان. المعلّم في غزّة يعلّم وهو بلا صفّ، وبلا أدوات، وأحيانًا، بل غالبًا، بلا أجر. لكنّه يحمل مسؤوليّة ثقيلة على عاتقه، يحملها بدافع ذاتيّ وإنسانيّ للمحافظة على الحدّ الأدنى من التوازن النفسيّ للأطفال، وبثّ الإحساس بالاستمراريّة، ومنع الانهيار الكامل لمعنى التعليم ذاته، في ظلّ غياب النظام الرسميّ للتعليم عن المشهد. وتُظهر التجربة أنّ السنة الثانية من الإبادة كانت أشدّ وطأة من الأولى؛ فقد تراكم الإرهاق، وتقلّصت الموارد، وتآكلت القدرة على الاحتمال، ما بات يهدّد المعلّمين بإنهاك نفسيّ عميق، قد تكون آثاره طويلة الأمد، نتاجًا لمعاناة استمرار المعاناة نفسها، وزيادة حدّة صعوبة الظروف الحياتيّة والمعيشيّة للمجتمع الغزّيّ بأكمله.

علاوة على ذلك، يجد المعلّم نفسه مطالبًا بدور المربّي والمرشد والمسعف النفسيّ، في غياب أيّ دعم مؤسّسيّ حقيقيّ، يعمل وسط غموض المستقبل، وانعدام التخطيط، وضغط أخلاقيّ دائم يمنعه من التوقّف، على الرغم من حاجته هو نفسه إلى التعافي والحماية، ومن دون أفق واضح، أو ضمانات مهنيّة، أو اعتراف رسميّ بتضحياته اليوميّة الجسيمة والمستمرّة قسرًا.

 

ثالثًا: المبادرات التعليميّة بين الضرورة والاستهداف 

في ظلّ غياب فاعليّة النظام التعليميّ الرسميّ، برزت مبادرات تربويّة مجتمعيّة، قادها معلّمون ومتطوّعون، بوصفها استجابة اضطراريّة لسدّ فراغ خطير. لذلك تجد هذه المبادرات الشعبيّة تتّسم بالمرونة والبساطة، والتركيز على الدعم النفسيّ والاجتماعيّ، إلى جانب التعلّم الأساسيّ قدر المستطاع.

ومع ذلك، لم تكن هذه المبادرات محميّة، بل تعرّضت إلى الاستهداف المباشر من الاحتلال الإسرائيليّ، أو جرّاء قصف أماكن مجاورة، أو التوقّف القسريّ بسبب الحصار الماليّ أو أمطار الشتاء والسيول التي تجرف الخيام، فيضطرّ المعلّمون المبادرون إلى إعادة بنائها من جديد وبجهد عزيز جدًّا، ما يعكس أنّ التعليم ذاته أصبح هدفًا ضمن سياق الإبادة. وعلى الرغم من هشاشة هذه المبادرات وبساطتها، إلّا أنّ التجارب كشفت عن إمكانيّات تربويّة بديلة، أكثر التصاقًا بالواقع الإنسانيّ، وأقلّ خضوعًا للنماذج البيروقراطيّة التقليديّة.

ومن المعروف أنّ جلسات المبادرين التعليميّة في غزّة زمن المقتلة، تُعقَد في خيام مهترئة، ومراكز إيواء مكتظّة، وبإمكانات شبه معدومة، مع نقص حادّ في الموادّ التعليميّة، وانقطاع تامّ للكهرباء، وتحت تهديد القصف المستمرّ، واعتماد القائمين عليها على الجهود الفرديّة والتطوّع والتبرّعات المحدودة، في ظلّ غياب أيّ مظلّة حماية قانونيّة أو تمويل مستدام، ومن دون دعم مؤسّسيّ رسميّ أو استقرار زمنيّ طويل الأمد.

 

*** 

 

ختامًا، لم يعد التعليم في غزّة حقًّا مؤجّلًا ولا مشروعًا مستقبليًّا، بل ممارسة يوميّة للحفاظ على الحياة والمعنى في وجه الإبادة. والمعلّمون والمعلّمات المبادرون ليسوا شهودًا صامتين على الانهيار، بل فاعلون أساسيّون يحملون عبء الصمود التربويّ والإنسانيّ في آنٍ واحد، فهم حرّاس العلم والتعليم زمن الإبادة التعليميّة. ما يحدث في غزّة يفرض علينا إعادة تعريف التعليم خارج القوالب التقليديّة، بوصفه فعل حماية للطفولة والذاكرة والكرامة.

تجاهل أصوات الميدان يعني القبول بانهيار الإنسان قبل النظام التعليميّ. أمّا الإصغاء الجادّ إليها، فيمثّل الخطوة الأولى نحو أيّ مستقبل تربويّ ممكن في غزّة.

كما إنّ مسؤوليّة المجتمع الدوليّ والمؤسّسات التربويّة والإنسانيّة لا تقتصر على الإغاثة الطارئة، بل تشمل توفير سياسات تعليميّة مرنة، ودعم نفسيّ مستدام، وحماية فعليّة للعاملين في الميدان. الاستثمار في التعليم أثناء الطوارئ استثمار في منع مزيد من التفكّك الاجتماعيّ، وحفظ للأمل، ومنع لضياع جيل كامل تحت الركام والصدمة المستمرّة، وذلك لحماية الهويّة الفلسطينيّة وكرامة الإنسان ومستقبل الأطفال، في سياق إبادة مفتوحة وطويلة تتطلّب محاسبة أخلاقيّة عاجلة وجماعيّة.

 

أسماء رمضان مصطفى 

 

2. أصوات المعلّمين والمعلّمات بين البقاء والمقاومة 

 في فلسطين، لا يبدأ الدرس بجرس، ولا ينتهي بواجب بيتيّ. 

هنا، يبدأ التعليم بسؤال الوجود: 

كيف نعيش؟ وكيف نبقى؟ وكيف نحمي المعنى من الموت؟ 

في زمن الإبادة، حين تُقصف المدارس، وتُمحى الصفوف من الخرائط، ويُستهدف المعلّم بوصفه شاهدًا لا ينبغي له أن يشهد، تتحوّل مهنة التعليم من وظيفة إلى موقف أخلاقيّ، ومن رسالة تربويّة إلى فعل مقاومة يوميّ. 

أقف اليوم، لا بصفتي باحثًا تربويًّا فقط، 

بل بصفتي شاهدًا على معلّمين ومعلّمات قرّروا أن يكونوا خطّ الدفاع الأخير عن الإنسان الفلسطينيّ، حين انهار كلّ شيء، وبقي التعليم آخر ما يمكن إنقاذه من تحت الركام. 

معنى التعليم في زمن الإبادة (شهادات الميدان وتحوّل دور المعلّم) 

في السياق الفلسطينيّ، لم يعد التعليم فعل نقل معرفة، بل أصبح فعل نجاة. 

في غزّة، حيث لا صفوف ولا سبّورات، وحيث تتحوّل الخيام والملاجئ إلى مساحات تعلّم، يقول المعلّم للطفل: 

"وجودك بحدّ ذاته إنجاز، وقدرتك على التعلّم انتصار صغير على الموت".  

 

التعليم بوصفه ساحة اشتباك أخلاقيّ ومعرفيّ  

في السياق الفلسطينيّ، لم يعد التعليم مساحة محايدة، بل تحوّل إلى ساحة اشتباك مفتوحة بين مشروع إبادة يسعى لتفكيك الإنسان، ومشروع تربويّ مقاوم يسعى لحمايته. 

فالاستهداف لم يكن عسكريًّا فقط، بل كان استهدافًا للمعرفة نفسها: قصف الجامعات، تدمير المدارس، قتل المعلّمين، محو الأرشيفات، تجفيف الموارد التعليميّة. 

وكلّ ذلك يعكس إدراكًا عميقًا لدى قوّة الاحتلال بأنّ التعليم ليس خدمة، بل قوّة كامنة لإعادة إنتاج الوعي والهويّة والمستقبل. 

من هنا، ليس المعلّم في فلسطين ضحيّة فقط، بل فاعل في مواجهة مشروع محو ممنهج. 

 

الشهادة التربويّة بوصفها معرفة بديلة 

في زمن الإبادة، تتراجع الكتب النظريّة، وتتقدّم الشهادة. 

شهادات المعلّمين والمعلّمات من الميدان ليست سردًا عاطفيًّا فقط، بل شكل من أشكال المعرفة السياقيّة البديلة 

التي تُنتَج في قلب الحدث، وتعيد مساءلة النظريّات التربويّة الكلاسيكيّة. 

حين تقول معلّمة من غزّة: "أدرّس الأطفال كي لا ينسوا أسماءهم"، فهذه ليست استعارة، بل تعريف جديد لوظيفة التعليم في زمن الخطر الوجوديّ. 

الشهادة هنا: توثّق، تفسّر، تعيد تعريف المفاهيم، وتمنح الصوت لمن حُرموا من المنابر. 

 

التحوّل العميق في هويّة المعلّم المهنيّة 

ما نشهده اليوم انهيار النموذج التقليديّ لهويّة المعلّم، وبروز هويّة جديدة متعدّدة الأبعاد: 

- الدور التقليديّ مقابل الدور الجديد في زمن الحرب 

من ناقل معرفة، إلى صانع معنى. 

من منفّذ منهاج، إلى مُكيّف سياقيّ.  

من موظّف نظام، إلى قائد مجتمعيّ. 

من مقيّم تحصيليّ، إلى داعم نفسيّ.  

من داخل الصفّ، إلى الميدان. 

 

هذا التحوّل لم يكن خيارًا، بل ضرورة وجوديّة فرضها الواقع. 

المعلّم الفلسطينيّ اليوم يصنع قراره التربويّ خارج الإطار البيروقراطيّ، ويعيد تعريف النجاح التعليميّ بمعايير إنسانيّة لا رقميّة. 

 

من الطوارئ إلى بناء نموذج تربويّ بديل 

التجارب التعليميّة في السنة الثانية للحرب، تكشف أنّنا لم نعد فقط في مرحلة "الاستجابة"، بل دخلنا مرحلة التفكير في نموذج تربويّ بديل. 

نموذج لا يعتمد على المبنى المدرسيّ، لا ينتظر الاعتراف الرسميّ، لا يخضع لشروط التمويل، ولا يفصل بين التعليم والرعاية النفسيّة. بل يقوم على المجتمع، والعلاقة، والمرونة، والسياق، والمعنى. 

وهذا ما يجعل هذه التجارب خطرة سياسيًّا، لأنّها تنتج تعليمًا غير قابل للضبط الكامل. 

 

المبادرات بين الإبداع والاستهداف الممنهج 

كلّ مبادرة تعليميّة ظهرت في غزّة أو الضفّة الغربيّة، كانت تحمل في جوهرها سؤالًا مركزيًّا: 

كيف نُبقي الطفل إنسانًا في عالم يريد تحويله إلى رقم؟ 

لكنّ هذه المبادرات واجهت: استهدافًا مباشرًا، وإغلاقًا قسريًّا، وتشويهًا للفاعلين، وتجفيفًا ممنهجًا للتمويل. 

ومع ذلك، أفرزت هذه المبادرات: قيادات تعليميّة مجتمعيّة جديدة، وشبكات تضامن غير رسميّة، وأشكال تعلّم عابرة للمؤسّسات، وقدرة على الابتكار في أقسى الظروف. 

 

من شهادات المعلّمين والمعلّمات في الميدان، نلمس تحوّلًا عميقًا في دور المعلّم: 

من ناقل للمحتوى، إلى حاضن نفسيّ. من منفّذ لمنهاج رسميّ، إلى مُنتج للمعنى. من موظّف في نظام، إلى فاعل اجتماعيّ مجتمعيّ. 

المعلّم في غزّة اليوم: ينظّم جلسات دعم نفسيّ تحت القصف، ويقود مبادرات تعلّم مرن في ظروف النزوح، ويعيد بناء الإحساس بالأمان لدى الأطفال بالكلمة والصوت والحكاية. 

وفي الضفّة الغربيّة، حيث القتل البطيء، والتضييق والاقتحامات والحواجز، يقاوم المعلّم سياسات الإفراغ التربويّ، ويُبقي المدرسة حيّة على الرغم من تفكيكها الممنهج. 

هنا، يصبح التعليم: فعل صمود لا خدمة، وحقًّا يُنتزع لا يُمنح، وأداة لحماية الهويّة في وجه المحو. 

 

من السنة الأولى إلى السنة الثانية للحرب (تحوّلات التجربة، ونضج المبادرات) 

إذا كانت السنة الأولى للحرب تمثّل سنة الصدمة والبقاء، فإنّ السنة الثانية أصبحت سنة إعادة تشكيل الفعل التعليميّ المقاوم. 

في السنة الأولى: مبادرات عفويّة، واستجابات طارئة، وتعليم إسعافيّ هدفه احتواء الصدمة. 

أمّا في السنة الثانية: نضج التجربة، وانتقال من ردّ الفعل إلى التخطيط المرن، وبناء شبكات تعليم مجتمعيّ، وظهور نماذج تعليميّة بديلة خارج النظام الرسميّ، 

والمعلّمون والمعلّمات لم يعودوا فقط مستجيبين للأزمة، بل صاروا مبادرين ومنظّرين لممارسة تربويّة جديدة 

تعيد تعريف: المدرسة، والصفّ، والمنهاج، والعلاقة بين التعليم والمجتمع.  

 

المبادرات التعليميّة والمجتمعيّة (بين الإبداع والاستهداف) 

على الرغم من: القصف المباشر للمراكز التعليميّة، والإغلاق والتجريف، وتقييد التمويل، وغياب البنية التحتيّة، وتفكّك النظام التعليميّ الرسميّ، 

شهدنا مبادرات: تعلّم مجتمعيّ قائم على المتطوّعين، وتعليم نفسيّ اجتماعيّ مدمج، ومساحات آمنة للتعلّم في مراكز إيواء، ونماذج تعلّم مرن خارج الزمن المدرسيّ التقليديّ. 

هذه المبادرات لم تكن فقط إبداعًا تربويًّا، بل أصبحت أيضًا هدفًا مباشرًا للاستهداف، لأنّها تحافظ على الإنسان الفلسطينيّ حيًّا في وعيه وذاكرته. 

ومع ذلك، أفرزت هذه التجارب إمكانات جديدة: استقلاليّة تربويّة، ومنهاجًا سياقيًّا مرتبطًا بالواقع، وإعادة اعتبار لدور المجتمع في التعليم، وكسر احتكار الدولة والاحتلال لمعنى المدرسة. 

 

*** 

المعلّم لا يشرح الدرس فقط، بل يحرس الحياة من الانطفاء. 

وأصوات المعلّمين والمعلّمات، ليست أصوات شكوى، بل أصوات بقاء ومقاومة ومعنى. 

وإذا كانت الإبادة تستهدف الجسد، فإنّ التعليم الفلسطينيّ آخر ما تبقّى للدفاع عن الروح.  

 

محمّد عوض شبير 

 

3 المعلّم بدوره فاعلًا اجتماعيًّا 

فرضت السنة الثانية من الإبادة واقعًا صعبًا على التعليم في مدارس الضفّة الغربيّة، إذ تتعرّض مدارسنا إلى الكثير من الاعتداءات والمضايقات، خصوصًا في مدينتَي طولكرم وجنين. ولا تخفى على أحد حالة النزوح من مخيّماتها، حيث أُغلِقت 6 مدارس في طولكرم و9 مدارس في جنين، ما فرض توزيع الطلّاب على بقيّة المدارس في المحافظة. 

شكّلت حالة النزوح ضغطًا كبيرًا على الطلبة والأهالي والمعلّمين، لكنّ المعلّم الفلسطينيّ كان، كما هو دائمًا، قادرًا على تحمّل العبء والاضطلاع بمسؤوليّات كبيرة. فلم يتخلّ عن دوره في التعليم، واستمرّ في التواصل مع الطلبة وشرح الدروس بواسطة منصّتَي تيمز وزووم، وأحيانًا عن طريق مجموعات الواتساب، وكان همّه الأكبر تعويض الطلّاب وعدم انقطاعهم عن التعليم بشكل تامّ. 

أضف إلى ذلك الدور الاجتماعيّ الذي قام به المعلّمون، من تقديم الدعم النفسيّ والدعم المادّيّ للطلبة النازحين، بعد أن فقد بعضهم أماكن سكنهم، وفقد بعضهم أحد أحبّتهم أو الأعزّاء عليهم. 

كان المعلّمون داعمين بشكل كبير للطلّاب، وكانوا دائمًا يتحرّون أماكن سكنهم واحتياجاتهم، ويتواصلون مع المجالس البلديّة لتوفيرها لهم. 

وممّا رأيت، كان هناك معلّمون يقومون بدفع أقساط المدارس للطلّاب، وإن لم يكن ذلك بشكل شخصيّ، فكانوا يتواصلون مع آخرين لتوفيرها، إضافة إلى توفير مستلزماتهم من حقائب وقرطاسيّة. 

كان للمعلّم دور كبير في تقديم الدعم النفسيّ والاجتماعيّ للطلبة، على الرغم من ظروفه الصعبة التي لا تخفى على أحد. ولم يكتفِ بأن يكون مجرّد شخص يشرح الدروس ويرصد العلامات، بل انتقل دوره إلى ما هو أبعد من ذلك، ليكون الداعم لطلبته في مختلف احتياجاتهم وفي أماكن تواجدهم. 

 

دور المبادرات التعليميّة 

قمنا بتنفيذ مبادرة مع مؤسّسة عبد المحسن القطّان، أنا ومجموعة من المعلّمات. انقسمت المبادرة إلى مرحلتَين: الأولى نفّذناها في أحد مراكز النزوح مع الأطفال النازحين في عمر 6 إلى 12 عامًا، وركّزت على توفير الدعم النفسيّ لهم ولأمّهاتهم، إذ كنّا نشركهنّ في أنشطة التفريغ. كما قدّمنا التعليم إلى الأطفال في إطار تعويض الفاقد التعليميّ لديهم، وعقدنا معهم 12 لقاء.  

أمّا المرحلة الثانية من المبادرة، فنفّذناها بالشراكة مع مركز البلديّة الشبابيّ، واستهدفنا فيها 30 طالبًا من الفئة العمريّة التي تتراوح بين 14 و16 عامًا. وركّزت على تقديم الدعم النفسيّ لهؤلاء اليافعين واليافعات، ولا سيّما أنّهم كانوا في مرحلة عمريّة حسّاسة. كما ركّزت على تعويض الفاقد التعليميّ لديهم، باستخدام الدراما في التعليم واستراتيجيّة عباءة الخبير. وركّزنا بشكل كبير على مادّتَي اللغة الإنجليزيّة الرياضيّات. 

وكان للمبادرة صدى إيجابيّ لمسناه من التغذية الراجعة التي حصلنا عليها، سواء من الطلّاب أنفسهم أو من الأهالي أيضًا. 

 

ختام أبو الرُّبّ 

 

4 نعلّم كي نبقى 

التعليم في الضفّة الغربيّة تحت الإبادة "الصامتة" 

يحمل المعلّم عبر التاريخ رسالة تربويّة واجتماعيّة وعلميّة، غير أنّ المعلّم الفلسطينيّ يحمل علاوة على ذلك رسالة وطنيّة، تتمثّل في صون الهويّة، وحراسة الذاكرة والرواية والتاريخ. أثناء الإبادة في قطاع غزّة، كان المعلّم الغزّيّ يبادر إلى ابتكار أشكال متعدّدة من التعليم بما توفّر من إمكانات، في محاولة لإنقاذ الأطفال، وانتشال ذاكرتهم ووجدانهم وأذهانهم من بين الموت والركام. فهو يعلّم أطفالًا نجوا من الموت، لكنّهم لم ينجوا من إبادة استهدفت كلّ أشكال الحياة والتعليم التي عرفوها، إبادة واضحة وبشعة. 

في المقابل، يواجه المعلّم الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة إبادة صامتة، قد لا يراها الطالب بوضوح، لكنّه يشعر بها ويعاني آثارها، من دون أن يدرك تمامًا أنّها تستهدف هويّته وأرضه وذاكرته. يعيش الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة تحت وطأة إغلاقات متكرّرة للمدن والقرى، واقتحامات متواصلة، وحملات اعتقال وتفتيش وتنكيل، وحواجز تعيق تنقّل الطلّاب والمعلّمين إلى مدارسهم. تتزامن هذه الظروف مع جنازات الشهداء وأخبار الموت التي تعمّ الوطن، ووضع اقتصاديّ معقّد، وخطط استيطانيّة تبتلع الأرض، ومناهج تعليميّة تُفرّغ تدريجيًّا من محتواها الوطنيّ. 

في السنة الأولى من الإبادة، كان دوري أن أحتوي نفسي وطلّابي، وأن أحميهم وأحمي ذاتي من حالة الاغتراب بين ما يحدث خارج أسوار المدرسة، وبين انتظام البرنامج الدراسيّ. أمّا في العام الثاني، فأصبح الشعور أكثر ثقلًا، وكان لزامًا عليّ أن أحوّله إلى وقود للفعل. بدأت بتطوير موضوعات التعلّم داخل منهاج التكنولوجيا، نحو تعليم عمليّ يركّز على مهارات البقاء، وتعليم مبادئ الزراعة والثروة الحيوانيّة، بوصفها مدخلًا لبناء اقتصاد محلّيّ مقاوم. تزامن ذلك مع انضمامي وطلّابي إلى حملة المقاطعة، واستخدامنا أدوات إنتاج الوسائط المتعدّدة، لتوثيق الواقع وإيصال رسائلنا إلى العالم. 

وخارج المدرسة، كان التعلّم المجتمعيّ بالشراكة مع مؤسّسات تربويّة مختلفة، ملاذًا ومساحة فعل. استخدمنا الفنّ والدراما حاضنة لفهم المشاعر والتعبير عنها، للمعلّمين والطلّاب على حدّ سواء. كما فكّرنا في تطوير منهجيّة STEAM، لتسليط الضوء على توظيف العلوم في عناصر من التراث الفلسطينيّ، مثل العمران والزراعة والقصّة والأزياء والاقتصاد وغيرها. 

في هذا الواقع المركّب، لم يعد التعليم مجرّد عمليّة نقل معرفة، بل أصبح مساحة لإعادة بناء الإنسان نفسيًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا. داخل الصفّ، يتحوّل الدرس إلى حوار مفتوح حول المعنى والقدرة على الاستمرار، وحول دور الفرد في حماية مجتمعه وصون كرامته. يتعلّم الطلّاب أنّ المعرفة ليست ترفًا، بل أداة بقاء ومقاومة، وأنّ المدرسة يمكن أن تكون مساحة أمان نسبيّ وسط الفوضى. ومن هذا الفهم، يتشكّل وعي جديد لدى الجيل الصاعد، يربط بين التعلّم والمسؤوليّة الاجتماعيّة، ويجعل من كلّ مهارة مكتسبة لبِنة في بناء مستقبل أكثر صمودًا. فالاستثمار في التعليم في مثل هذه الظروف ليس خيارًا ثانويًّا، بل فعل إيمان عميق بقدرة الإنسان الفلسطينيّ على النهوض، وإصرار على أن تبقى الحياة ممكنة على الرغم من كلّ ما يراد لها من انكسار. 

لقد واجه التعليم الفلسطينيّ عبر سنوات الاستعمار والاحتلال تحدّيات متراكمة، تزداد شراسة وسُمّيّة مع مرور الوقت. والآن أجد التعليم في فلسطين مستهدفًا، كما يُستهدف الإنسان والشجر والتراب والهواء والماء، وربّما أكثر! 

 

ندى الأشقر