مستقبل التعليم في فلسطين: من التوثيق إلى إعادة المعنى 
مستقبل التعليم في فلسطين: من التوثيق إلى إعادة المعنى 
ريام كفري أبو لبن | مستشار تربوي -فلسطين

شكّلت النكبة سنة ١٩٤٨ لحظة محوريّة في التاريخ الفلسطينيّ وفي بناء الرواية الفلسطينيّة، غير أنّ توثيقها المكتوب والشفهيّ تأخّر لعقود، واقتصر طويلًا على التداول داخل العائلة ومخيّمات اللجوء (صيّغ، ٢٠١٨؛ أبو لغد، ٢٠٠٧؛ مصالحة، ٢٠١٢). في المقابل، هيمنت السرديّة الصهيونيّة والغربيّة على الأرشيف وكتابة التاريخ، في سياق محاولات ممنهجة لمحو الصوت الفلسطينيّ (بابه، ٢٠٠٢). وبذلك فُقدت شهادات مبكّرة كثيرة، واضطرّ الفلسطينيّون إلى سباق متأخّر مع الزمن لجمع الحكايات وتدوينها، في ظلّ غياب جهد مؤسّسيّ وطنيّ، يمنح هذا التوثيق أولويّة واضحة.

ومع الانتفاضة الأولى، ثمّ تطوّر الإعلام الفضائيّ والرقميّ، بدأ الصوت الفلسطينيّ يشقّ طريقه على نحو أوسع إلى العالم. وأتت وسائل التواصل الاجتماعيّ بانفجار غير مسبوق في الشهادات المصوّرة منذ بدء الإبادة الجماعيّة في غزّة، فتغيّرت قواعد اللعبة؛ إذ صار الفلسطينيّ يحدّث العالم مباشرة عن تفاصيل الحياة والموت، وأصبحت يوميّات الناس، من بينهم المعلّمون والطلبة، جزءًا من سيل رقميّ يواجه خطاب نزع الإنسانيّة والصور النمطيّة الاستعماريّة، وينقل في الوقت نفسه ملامح "الإبادة التعليميّة".

في قلب هذا المشهد، تبرز أسئلة ملحّة: لماذا نوثّق ونكتب؟ ولمن؟ وما أنواع التوثيق الممكنة؟ وهل تغيّر دور المعلّم في سياق الإبادة، أم أعيد إحياء دوره التاريخيّ بوصفه قائدًا مجتمعيًّا؟ وكيف يمكن توظيف هذا التوثيق في بناء مستقبل التعليم في فلسطين، وإعادة المعنى إلى المنظومة التعليميّة؟ تنطلق هذه الورقة من هذه الأسئلة، وتقترح النظر إلى التوثيق التربويّ، وخصوصًا الرقميّ، بوصفه ساحة رئيسيّة للصراع على معنى التعليم في زمن الإبادة والاستعمار المستمرّين. ومن قراءة نقديّة لعيّنة من المنصّات والمبادرات الرقميّة التي توثّق واقع التعليم في غزّة، تحاول الورقة توضيح كيف يمكن أن يتحوّل التوثيق من مجرّد تسجيل للدمار، أو استجابة لمتطلّبات التقارير، إلى ممارسة تربويّة تحرّريّة وأداة لإعادة تخيّل مستقبل التعليم الفلسطينيّ.

 

توثيق التعليم في فلسطين عبر التاريخ

لا يبدو توثيق التعليم في فلسطين فكرة طارئة أو مستجدّة، فبالعودة إلى ما كُتب، يتّضح أنّ التربويّ الفلسطينيّ التفت مبكّرًا إلى التعليم بوصفه حقلًا معرفيًّا واجتماعيًّا مستقلًّا، تتشكّل فيه ملامح المجتمع ومستقبله. ويتجلّى ذلك في عمل خليل طوطح في مطلع ثلاثينيّات القرن الماضي، والذي يكشف تداخل المدارس والمناهج مع بنية السلطة الاستعماريّة (طوطح، ١٩٣٢)، ثمّ في سؤال إبراهيم أبو لغد حول كيفيّة تعلّم مجتمع في الشتات، موزّع بين مدارس الدول العربيّة ووكالة الأونروا، مع الحفاظ على سرديّته الوطنيّة (أبو لغد، ١٩٧٣). وعلى الرغم من تفرّق محاولات التوثيق آنذاك، واعتمادها في الغالب على مبادرات فرديّة، بدأ يتشكّل جسد معرفيّ يظهر فيه صوت المعلّم والطالب، ويقدّم التعليم فيه بوصفه فعل أمل وحياة، وليس مجرّد تعلّم داخل الصفّ. 

ومنذ أواخر ثمانينيّات القرن الماضي، برزت محاولات عربيّة منظّمة لتأريخ التعليم في فلسطين؛ من سرديّة القطشان لمسار التعليم الرسميّ والخاصّ (القطشان، ١٩٨٧؛ ١٩٨٨)، إلى تقارير دوليّة كشفت تجريم التعليم خلال الانتفاضة الأولى (خدمة الجامعات العالميّة، ١٩٩٠)، وصولًا إلى طرح الشوايخ لإعادة بناء تاريخ التعليم انطلاقًا من الممارسة الصفّيّة (الشوايخ، ٢٠١٤)، وتحليل الطراونة وأبو الريش لمسار النظام التعليميّ وأسئلة إصلاحه (الطراونة وأبو الريش، ٢٠١٧). 

وفي العقد الأخير، اتّسعت العدسة أكثر مع أعمال تركيبيّة تناولت تعليم التاريخ في زمن الانتداب (فراس، ٢٠٢٠)، والبنية الراهنة للنظام التعليميّ الفلسطينيّ (حسين وآخرون، ٢٠٢٢)، ومكانة التعليم في التاريخ الفلسطينيّ الطويل (مصالحة، ٢٠٢٢)، وتعليم الفلسطينيّين داخل إسرائيل (الحاجّ، ٢٠٢٤). ومع ذلك، يبقى التاريخ الحيّ للغرف الصفّيّة غائبًا إلى حدّ كبير، ومعه يوميّات الكوادر التعليميّة تحت القصف وعنف المستوطنين. وتمثّل هذه الفجوة ما تحاول هذه الورقة الاقتراب منه، في قراءة نقديّة لمنصّات التوثيق الرقميّ التي تنتجها الكوادر التربويّة اليوم من قلب التجربة.

 

غزّة: من المبادرات التعليميّة إلى التعليم "المنظّم"

يبدأ التعليم التحرّريّ عند فريري من لحظة وعي المقهورين بأنّهم ليسوا مجرّد ضحايا، بل فاعلون يقرؤون واقعهم ويعيدون تشكيله. وفي غزّة، في العام الأوّل من الإبادة، خرج هذا المفهوم من حيّز الكتب إلى الخيام والصفوف المدمّرة. فقد قرّر عشرات المعلّمات والمعلّمين، ببساطة، أنّ دورهم يتجاوز انتظار "تعميم" من وزارة أو مشروع من منظّمة دوليّة؛ فلم ينتظروا هيكليّات جاهزة ولا مناهج طوارئ مصاغة في مكاتب مكيّفة، بل مارسوا ما يعرفونه بعمق: تعليم الأطفال.

نُقل الصفّ إلى خيمة، وإلى ركن في مركز إيواء، وإلى ظلّ جدار مهدّم. كُتب على الكرتون، واستُدعيت الذاكرة حين غابت الكتب، وتحوّلت لحظات الحصار والجوع إلى مساحات صغيرة من المعنى. ولا تمثّل هذه المبادرات الفرديّة هامشًا في "النظام التعليميّ الرسميّ"، بل تجسيدًا حيًّا لفكرة فريري القائلة إنّ المعلّم جزء من جماعة مقهورة تنتج معرفة مقاومة، لا منفّذًا محايدًا لمنهاج معطى (فريري، ١٩٧٠؛ ١٩٩٨).

لاحقًا، بدأت مؤسّسات المجتمع المدنيّ بالالتحاق بهذا الواقع، في محاولة لتنظيم ما شرعت به الكوادر التعليميّة على الأرض ودعمه. غير أنّه، كما يحدث كثيرًا في السياق الفلسطينيّ، سرعان ما فرضت شروط التمويل نفسها، ولغة الإطار المنطقيّة، وصورة "المستفيد/ الطفل" التي ينبغي أن ترضي المانح. لاحقًا، باشرت وزارة التربية التعامل مع هذه المبادرات بوصفها مختبرًا حيًّا للتعليم التحرّريّ، بل غالبًا بوصفها مجالًا يحتاج إلى ضبط وتنظيم ومراكمة أرقام.

وهكذا، بدأ ما نشأ من الواقع بوصفه فعلًا تعليميًّا أصيلًا ينبثق من علاقة حيّة بين المعلّم والأطفال، يتعرّض إلى التخفيف والتدجين، ويعاد إدخاله في قوالب مشاريع وخطط ونماذج متابعة وتقييم. وبعبارة مباشرة، فجمال مبادرة المعلّم، وعمق الدور الذي اضطلعت به المعلّمات والمعلّمون في قلب الإبادة، يواجهان اليوم خطر التآكل مرّة أخرى، تحت ثقل المنظّمات الدوليّة الكبرى، وغياب رؤية تحرّريّة حقيقيّة لدى الوزارة. وهنا تبرز الحاجة إلى التساؤل: كيف تمكن إعادة المعنى إلى التعليم عن طريق التوثيق؟

 

ماذا نكتب، ولمن؟

مثل كلّ شيء آخر في زمن الصدمة، يمرّ توثيق التعلّم/ التعليم في فلسطين بمراحل متعدّدة، ويخدم أغراضًا متنوّعة، ويقوده فاعلون مختلفون بدوافع متباينة. في المقدّمة تأتي الشهادات المباشرة، وهي الأكثر صدقًا وإنسانيّة، وتظهر في صيغ متنوّعة، من تدوينات قصيرة على المدوّنات، مثل مدوّنة غزّة على منصّة منهجيّات، إلى مقاطع مصوّرة سريعة على وسائل التواصل الاجتماعيّ.

في غزّة، خرجت المعلّمات والمعلّمون إلى العالم ليروا تفاصيل حياتهم اليوميّة: صفوفهم المرتجلة في الخيام، وغرفهم الصفّيّة المدمّرة، وفي الطريق كشفوا عن إرادة عنيدة للحياة والاستمرار، والأهمّ من ذلك كلّه، للتعليم. وقد أظهروا أنّ المعلّم ليس مجرّد لسان حال لمنظومة تعليميّة متعثّرة، بل فاعل اجتماعيّ قادر على إحداث الأثر بأبسط الإمكانات. ويوازي هذا العناد إصرار الأطفال الذين يحضرون إلى هذه الصفوف المؤقّتة، وأهالٍ يريدون لأبنائهم وبناتهم أن يعيشوا وأن يتعلّموا في آن واحد.

وبهذا التوثيق اليوميّ البسيط، في وسائط شعبيّة متاحة للجميع، يسلّط المعلّمون الضوء على الخراب الشامل في المنظومة التعليميّة، لكنّهم في الوقت نفسه يعرّون مركزيّة الدور المجتمعيّ للمعلّم في المجتمع الفلسطينيّ. ثيمات تبدو بسيطة في ظاهرها، مثل الإصرار والمثابرة والأمل، تلمع في الفيديوهات والنصوص والصور. الرسالة المضمرة هنا مزدوجة: من جهة، ثمّة خطاب إنسانيّ كونيّ موجّه إلى العالم، ومن جهة أخرى، يعاد تعريف دور المعلّم الفلسطينيّ؛ عودة إلى دور كان أوضح بكثير في الماضي: المعلّم بوصفه قائدًا مجتمعيًّا، وفاعلًا سياسيًّا، والتعليم بوصفه أداة لبناء الهويّة والفكر والخطاب المؤدّي إلى التحرّر.

ولذلك، على الرغم من أنّ معظم ما نقرؤه اليوم على مدوّنة غزّة ومدوّنة مركز دراسات فلسطين، يقدّم بوصفه شهادات شخصيّة، إلّا أنّه تمكن قراءته على مستوى أعمق بكثير، بوصفه حالة استعادة أو نضوج لدور المعلّم الفلسطينيّ، يقول فيها بوضوح: لسنا في حاجة إلى من يعرّفنا معنى التعليم. لا ننتظر وزارة ولا مانحًا؛ الصفّ ملكنا، ونحن من نقيمه أينما وُجد أطفال يرغبون في التعلّم.

 

تتجلّى هذه الصور بوضوح في مقابلة أسماء مصطفى في كتاب التعليم في زمن الحرب: فعل حياة؛ إذ تجسّد أسماء، بلغة عالية الدقّة، صورة المعلّمة الناشطة والقائدة المجتمعيّة، القادرة بأبسط الموادّ على خلق مساحات تعلّم آمنة، يلعب فيها الأطفال ويتعلّمون. فهي لا تنتظر معيارًا جاهزًا من "المجتمع الدوليّ"، لتعرف كيف تعلّم في الطوارئ، إذ تعرف ذلك بالفطرة، لأنّها جزء من هذه الطوارئ، ولأنّها أيضًا فقدت عائلتها وبيتها ومدرستها، وما زالت تعيد بناء ذاتها مع طلبتها.

وتوثّق عهود نصّار حياتها مع طلبتها في الخيمة التعليميّة في مدوّنة مركز الدراسات الفلسطينيّة. لا تدوّن عهود عملها في الخيمة فحسب، بل تكتب أيضًا عن دراستها وأملها وأحلامها التي تأبى الاندثار تحت القصف والركام. كما تحدّثنا عن طلبتها، وعن كيفيّة تأثير نبرة صوتها فيهم، وتكشف إصرارها بوصفها طالبة دراسات عليا، تمشي مسافات طويلة لتحميل المحاضرات المسجّلة، ثمّ تجلس في منزلها تستمع إليها وتستعدّ للاختبارات. وهكذا تجسّد عهود ازدواجيّة الدور: صباحًا معلّمة تبثّ الأمل وتحمل رسائل لا تحصى لطلبتها، ومساءً طالبة تثابر على التعلّم، والمضيّ قدمًا نحو مستقبلها، وليلًا هي هدف للقصف والنزوح المتكرّر، لتخسر ما تبقّى من بيتها وخيمتها التعليميّة، وتجد نفسها بعيدة عن طلبتها، تعاود النهوض من جديد، باحثة عن خيمة أخرى، وأطفال جدد، وتعليم يُستأنف من جديد. نجد الكثير من هذه الشهادات في مدوّنة غزّة، وفي كتاب التعليم في زمن الحرب الذي لا يقتصر على غزّة، بل يمتدّ ليشمل تجارب من سوريا ولبنان أيضًا.

 

على المستوى الشخصيّ، يمثّل هذا التوثيق فعلًا إنسانيًّا قبل كلّ شيء؛ محاولة لأن يقول المعلّمات والمعلّمون للعالم إنّنا لسنا مختلفين كثيرًا: نعرض ممارساتنا اليوميّة، وطلبتنا، والعلاقات التي نبنيها. نأمل أن يصل صوتنا، وأن تغلب الإنسانيّة في النهاية. نوثّق على أمل أن يجد التربويّون والمعلّمون في أماكن أخرى قواسم مشتركة معنا، فيقترب فهمهم لنا، ولو قليلًا.

وتمكن قراءة هذه الشهادات الحيّة، المستمدّة من اليوميّات التعليميّة للمعلّمات والمعلّمين في غزّة ولبنان وسوريا، بوصفها أرشيفًا أوّليًّا لتجربة تعليميّة تحاول إعادة تعريف ذاتها من تحت الركام.

غير أنّ المشهد لا يقتصر على الشهادات. فنجد اليوم مقالات منهجيّة، تحاول وضع أسس ومعايير للتعليم في زمن الحرب، وأخرى توثّق المفردات الجديدة التي تعرّض إليها الأطفال مع اندلاع الحرب. ومن الأمثلة على ذلك مقالة د. محمّد شبير، بعنوان "مصطلحات جديدة تقتحم قاموس الطلبة الفلسطينيّين في ظلّ العدوان الإسرائيليّ"، الواردة في كتاب التعليم في زمن الحرب: فعل حياة؛ إذ يوثّق المقال المصطلحات الجديدة التي دخلت إلى قاموس الأطفال (والكبار) اللغويّ، ويتساءل عن موقع هذه اللغة في المناهج الفلسطينيّة المهدّدة في الأصل من قبل الدول المانحة، والمتّهمة غربيًّا بأنّها "مناهج محرّضة". وهنا ينتقل التوثيق من مجرّد تسجيل الشهادات، إلى طرح أسئلة وجوديّة صعبة لا يمكن غضّ الطرف عنها، أو المضيّ قدمًا كأنّ شيئًا لم يكن.

إلى جانب ذلك، تظهر دراسات حول الصحّة النفسيّة، والتعليم الدامج، والتعليم ما بعد الحرب، وغيرها من الأعمال التي تسعى لتنظيم المعلومات الواردة من الميدان ضمن أطر منهجيّة. وربّما يمكن لمثل هذه الجهود أن تسهم في إحداث تحوّل تربويّ وطنيّ في اتّجاه المنظومة التعليميّة الفلسطينيّة، وربّما لا يسع الإنسان، في هذه اللحظة، إلّا أن يأمل ذلك.

 

ومن ناحية أخرى، ثمّة نمط مختلف من التوثيق، موجّه من المانح ولأجل المانح نفسه، وهو توثيق يركّز على جمع الأرقام والبيانات، وتصنيفها بحسب المواقع الجغرافيّة والنوع الاجتماعيّ، وتقسيم الطلبة وفق فئات وقدرات، بما يخدم المؤسّسات المانحة في تأمين التمويل المستمرّ لبرامجها. وقد يرى بعضهم أنّ هذا النوع من التوثيق ضروريّ، لأنّه يضمن استمراريّة الدعم الذي يحتاج إليه المعلّم، والإدارة المدرسيّة، والطفل، والعائلة، والمنظومة التعليميّة بأكملها. وإذا كنّا واقعيّين، فلا بدّ من الاعتراف بأهمّيّة هذا الكمّ الهائل من البيانات في توثيق ما يجري فعليًّا على الأرض داخل هذه البرامج. لكن، إلى جانب ذلك، يمكن لهذا النمط من جمع البيانات، إذا استخدمته مؤسّسات المجتمع المدنيّ المحلّيّة بحكمة، وإذا تجاوز مستوى المؤشّرات السطحيّة التي يفرضها المموّلون عادة، أن يتحوّل إلى قاعدة بيانات غنيّة تعالج بأساليب تحليل متعدّدة، وتسهم في صناعة القرار التعليميّ مستقبلًا في فلسطين.

في المقابل، تقدّم حجّة مضادّة ترى في هذا النوع من التوثيق ممارسة عقيمة، تنزع عن المعلّمات والمعلّمين والطلبة إنسانيّتهم، وتطارد "قصص نجاح" تستخدم لفتح أبواب تمويل إضافيّ، من دون تأمّل عميق أو نزاهة حقيقيّة في قراءة الواقع. وإلى حدّ ما، تصيب هذه الحجّة؛ فالمؤشّرات التي يحدّدها المانحون نادرًا ما تعبّر عن ما يعني الفلسطينيّين فعلًا. ومع ذلك، فإن تبنّي موقف أكثر حزمًا في التفاوض حول هذه المؤشّرات، وربّما توسيعها، إلى جانب بناء ممارسة راسخة في جمع البيانات وتحليلها، وسرد تقريريّ قويّ ومتجذّر في التجربة، يمكن أن يحوّل هذا التوثيق نفسه إلى أداة لا تقدّر بثمن، في تخيّل مستقبل التعليم في فلسطين ورسمه.

وبالطبع، هذا ليس ما نعيشه الآن. فالجهات المانحة العاملة في مجال التعليم في الطوارئ، تدّعي أنّها "تمكّن" المعلّمات والمعلّمين والطلبة، غير أنّ الواقع أكثر بساطة وقسوة: رواية القصّة ستبقى، في نهاية المطاف، مسؤوليّة الفلسطينيّين أنفسهم. لذلك قصص النجاح المتفرّقة في نشرات المموّلين نادرًا ما تعكس الصورة الكاملة، ولا تظهر الصوت الحقيقيّ للمعلّمات والمعلّمين والطلبة، ولا حتّى للأهالي. وحين يصبح التمويل مشروطًا ومعلّقًا على درجة "الامتثال"، يتحوّل ذلك سريعًا إلى شكل بطيء وصامت من محو دقيق للخطاب الفلسطينيّ الأصيل.

 

مستقبل التعليم في فلسطين وإعادة المعنى

يبقى السؤال الذي يفرض علينا: ما مستقبل التعليم في فلسطين؟ وكيف يمكن لكلّ هذه الجهود في توثيق ما يحدث لحظة بلحظة، إلى جانب محاولات التوثيق المنهجيّ والعلميّ، أن تسهم في تخيّل شكل التعليم في السنوات القادمة؟ وكيف يمكن، في الوقت نفسه، تجنّب العودة إلى "سير الأمور كالمعتاد"، ومواجهة محاولات الغرب المستمرّة لإعادة كتابة المنهاج الفلسطينيّ بطريقة تجعله "أكثر قابليّة للهضم" من منظورهم؟

أوّلًا، من المهمّ إعادة التأكيد على حقيقة أساسيّة مفادها أنّ المعلّمات والمعلّمين على الأرض استعادوا بالفعل دورهم الاجتماعيّ خارج حدود الغرفة الصفّيّة، وما يحتاجون إليه الآن دعم منظّم ومنهجيّ، يسمح لهذا الدور المستعاد بأن يتحوّل إلى تغيير حقيقيّ في بنية النظام التعليميّ نفسه.

ومع استمرار الإبادة بهدوء تحت غطاء "وقف إطلاق النار"، يغدو التوثيق ضرورة لا ترفًا؛ ليس فقط لأنّ الفلسطينيّين بحاجة إلى رواية قصّتهم بأنفسهم، بل لأنّ الذاكرة هشّة، ولأنّ العالم يميل إلى نسيان ما لا يراه ولا يسمعه. غير أنّنا، إلى جانب سرد القصص الإنسانيّة، بحاجة إلى مقاربة أكثر نظاميّة في التوثيق والأرشفة. لذلك، بينما يبقى الإنسان هو القصّة جوهريًّا، لا تقلّ أهمّيّة جمع البيانات، وإجراء الأبحاث التي ترصد التوجّهات التربويّة، والممارسات الصفّيّة، والتغيّرات البنيويّة في المنظومة التعليميّة.

 

ليست المشكلة في فعل التوثيق بحدّ ذاته، بل في كيفيّة قراءة الخطاب الذي يخرج منه. ومن النصوص والشهادات التي اشتغلت عليها في هذه الورقة، تبرز عدّة مواضيع بوضوح:

- المعلّمات والمعلّمون في قلب مشروع بناء الوطن، ولم يعد ممكنًا إنكار ذلك. لذلك بعد اتّفاقية أوسلو، دُفع المعلّمون إلى أدوار أكثر تقنيّة، بوصفهم خبراء مادّة ومقدّمي رعاية. أمّا اليوم، فإنّ غزّة ومعها عمليّة المحو الصامت في شمال الضفّة، تذكّرنا بأنّ المعلّم قائد مجتمعيّ، يمتلك قدرة حقيقيّة على حماية الأطفال، وصون طفولتهم، وإحداث التغيير.

- المنهاج الفلسطينيّ سيحتاج إلى تربويّات وتربويّين شجعان وذوي كفاءة عالية، للدفاع عن هويّته في وجه ضغوط المموّلين الدوليّين. وغالبًا ما تقدّم نقاشات الهويّة وكأنّها على حساب "الجودة"، وكأنّنا مضطرّون إلى الاختيار بينهما. وهذا فخّ يجب فضحه؛ فالهويّة الوطنيّة والثقافيّة والتاريخيّة للفلسطينيّين غير قابلة للتفاوض.

- جودة التعليم مسألة مهنيّة وتقنيّة في الأساس، ويجب التعامل معها باستراتيجيّة وطنيّة تعترف بالموقع المركزيّ للمعلّم داخل مجتمعه، وتمنح خبرته الميدانيّة القيمة التي تستحقّها.

-  لا تمكن العودة إلى ما قبل، لذلك فمرحلة ما بعد أوسلو بصيغتها التقليديّة لم تعد صالحة. ولا يمكن للمدارس أن تعود إلى حالة سبات يكون فيها الهمّ الأكبر درجات الاختبارات، على حساب التعلّم الحقيقيّ العميق.\

-  المعلّمات والمعلّمون والطلبة لا ينتظرون أحدًا ليرشدهم إلى الطريق. فهم في زمن الحرب والإبادة، يصنعون الطريق بأنفسهم، ويفتحون دروب المستقبل من دون حاجة إلى "إرشاد أو توجيه" خارجيّ، أو معايير مستوردة للتعليم في الطوارئ.

- المؤسّسات الفلسطينيّة لها دور كبير في استخدام خبرتها والبيانات والمعلومات لصالح صنع قرار فلسطينيّ، وبناء المؤسّسة الفلسطينيّة. 

- أخيرًا، التوثيق ليس رفاهيّة للفلسطينيّين، هو جهد وطنيّ منظّم في التوثيق والأرشفة والدراسة والتحليل، وجمع البيانات شرط أساسيّ، حتّى لا ننسى نحن، ولا يسمح للعالم أن ينسى.

 

***

التعليم ليس حقلًا معقّمًا، ولا يعمل في الفراغ. إنّه متجذّر في المجتمع الذي يخدمه، وهو شخصيّ بقدر ما هو سياسيّ، لأنّه يبني الأجيال في الحاضر كي تقف على قدميها في المستقبل. وقد أدركت المعلّمات والمعلّمون الفلسطينيّون، منذ زمن بعيد، مركزيّة الدور الذي يمكن أن يضطلعوا به، ولم يتردّدوا تاريخيًّا في تحمّل هذه المسؤوليّة.

اليوم، ونحن نعيش واحدة من أعقد الأزمات التعليميّة في تاريخ فلسطين، يحتاج المعلّمون والطلبة إلى صوت يروي قصّتهم. عند هذه النقطة، لا يعود التوثيق مجرّد فعل تقنيّ لجمع البيانات، بل يصبح عمليّة حيّة وعضويّة تسهم في الإشارة إلى المستقبل، وفي رسم ملامحه.

 

المراجع

- الطراونة، إ. ي.، وأبو الريش، م. أ. (2017). التعليم في فلسطين. دار العامريّة للنشر والتوزيع.

- القطشان، ع. ع. س. (1987؛ 1988). التعليم في فلسطين. الجزآن 1 و2. دار الكرمل – صامد.

- Tutah, Khalil A. (1932). Education in Palestine. The Annals of the American Academy of Political and Social Science, 164, 155–166.

- Abu-Lughod, I. (1973). Educating a Community in Exile: The Palestinian Experience. Journal of Palestine Studies, 2(3), 94–111.

- Al-Haj, M. (2024). Education among Indigenous Palestinians in Israel: Inequality, Cultural Hegemony, and Social Change. SUNY Press.

- Alshwaikh, J. (2014). History of Education in Palestine: Time to Reconsider. Birzeit University.

- Furas, Y. (2020). Educating Palestine: Teaching and Learning History under the Mandate. Oxford University Press.

- Hussein, A., Wong, S., & Bright, A. (2022). The Palestinian K-12 Education System: History, Structure, Challenges, and Opportunities. Oxford Research Encyclopedia of Education.

- Masalha, N. (2022). Palestine Across Millennia: A History of Literacy, Learning and Educational Revolutions. I.B. Tauris.

- World University Service. (1990). Where Education Is a Crime: Report of Two Delegations to the Occupied Territories of the West Bank and Gaza Strip to Investigate Education Provision for Palestinians. WUS.

- Rosemary Sayigh. (2018). The Nakba and Oral History. Journal of Holy Land and Palestine Studies. 17(2):151-168.