نسرين كزبور - أستاذة تعليم ثانويّ لمادّة الرياضيّات - لبنان
نسرين كزبور - أستاذة تعليم ثانويّ لمادّة الرياضيّات - لبنان
2026/03/05

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتكِ إلى التعليم؟

أدركت أنّ التعليم لم يعد مجرّد مساحة للمعرفة، بل رسالة إنسانيّة تحمل في جوهرها العدل والرحمة، وتحمي هويّة أمّتنا العربيّة من التلاشي. المدرسة اليوم حصن للأمان، تُعلّم أبناءنا أنّ الكرامة لا تُجزّأ، وأنّ التسامح والعدل أساس العمران. في كلّ درس نزرع بذور الإنسانيّة، وفي كلّ صفّ نُشيّد جسرًا يعيد الثقة بالمستقبل ويحفظ انتماء الأجيال، وكلّ مرحلة عمريّة مساحة لبناء جيل واع معتزّ بهويّته، مؤمن بأنّ العلم هو السبيل للنهوض والأمل.

 

ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ ولماذا؟

أتمنّى لو يدرك صنّاع القرار أنّ المعلّم ليس موظّفًا يؤدّي واجبًا يوميًّا، بل هو حارس القيم، وصانع الوعي، وناقل شعلة الهويّة للأجيال. يحتاج المعلّم إلى تقدير يليق برسالته ودعم يخفّف عنه أثقاله، ليبقى قادرًا على العطاء بإنسانيّة وعدل. فتقديره ورعايته استثمار في العدالة والإنسانيّة معًا. فحين ينهض المعلّم مكرَّمًا، ينهض معه المجتمع، ويزدهر الوطن بالعلم والكرامة والحريّة.

 

هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟

 لم يعد الكتاب المدرسيّ وحده هو المصدر الأساسيّ، بل أصبح نافذة واحدة من نوافذ المعرفة. في الصفّ، نفتح آفاقًا متعدّدة: مصادر رقميّة، وتجارب حيّة، وأسئلة تحرّك التفكير. الكتاب يبقى القلب، لكنّ العقول تتغذّى من كلّ الجهات، تستنير بالصور وبالقصّ وبالحوار. بهذا المزج، لا يكتفي المتعلّم بالحفظ، بل يصبح مستكشفًا للمعرفة، وصانعًا لخبرته، قادرًا على فهم العالم بحيويّة وإبداع.

 

هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلكِ تبقين؟

مرّ بي شعور بالاستسلام مرّات عديدة، وفكّرت بالابتعاد عن هذه المهنة المثقلة بالتحدّيات. لكنّ شيئًا أعمق في قلبيّ أبقاني. التعليم بالنسبة إليّ ليس مجرّد وظيفة، بل رسالة تحمل نورًا وكرامة. كلّ ابتسامة متعلّم يتعلّم، وكلّ سؤال يُثار في الصفّ، وكلّ ثقة يمنحها المتعلّم بمعلّمه، تذكّرني بأهمّيّة رسالتي. وعندما نرى خريجينا أين وصلوا، يملؤنا الفخر والاعتزاز بأنّ جهودنا لم تذهب سُدًى. فأنا باقية لأنّني مؤمنة بأنّ غرس المعرفة والإنسانيّة لا يُستغنى عنه أبدًا.

 

ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟

في عصر الذكاء الاصطناعيّ، لم يعد الهدف مجرّد نقل المعلومات، بل تدريب المتعلّم على التفكير النقدي والإبداع، وحلّ المشكلات بذكاء وإنسانيّة. علينا أن نزرع فيه القدرة على التمييز بين الحقائق والتّقليد، ومهارات التّعاون والتّواصل بوعي، إضافة إلى الفضول المستمرّ والتعلّم الذاتيّ. المتعلّم اليوم يحتاج إلى أن يصبح مستكشفًا للقيم والمعرفة، يتمتّع بالمرونة والتكيّف مع التغيّرات السريعة، ويحوّل التّحديّات الرقميّة إلى فرص للابتكار والنموّ الشخصيّ والمجتمعيّ.

 

ما أهمّ استراتيجيّاتكِ في شدّ انتباه المتعلّمين؟

لشدّ انتباه متعلّمي الرياضيّات، أستخدم أسلوب الربط بين المفاهيم الرياضيّة وحياتهم اليوميّة، وأحوّل المسائل إلى تحدّيات ممتعة تحفّز التّفكير وحلّ المشكلات. أدمج الألعاب التّعليميّة، والتجارب العمليّة، والمسابقات القصيرة داخل الصفّ. أسألهم بأسلوب يثير الفضول، وأدعوهم إلى الاكتشاف بأنفسهم قبل الشرح، فبهذه الطريقة يصبح الدرس مغامرة عقليّة، ينشّط التركيز، وينمّي لديهم حبّ الاستكشاف، فيتعلّمون الرياضيّات بفهم وإبداع بعيدًا عن الحفظ.

 

هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟

لم يعد تعبير "ضبط الصفّ" يعكس جوهر التعليم الحديث، فهو يوحي بالتحكّم والانضباط الصارم فقط، بينما الصفّ اليوم مساحة للتّفاعل والنمو المشترك. الأهمّ بناء بيئة آمنة ومحفّزة، حيث يشعر المتعلّم بالاحترام والثقة، ويُشجَّع على المشاركة والاكتشاف. نحن لا "نضبط" بل نرشد، ونوجّه الحوار، ونغرس قيم الانضباط الذاتيّ والتعاون، فتصبح إدارة الصفّ رحلة تعليميّة تراعي العقل والقلب معًا.

 

ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ ولماذا؟

على رغم ضغوط المدرسة اليوميّة، أضحك مع زملائي الذين يجعلون كلّ يوم مليئًا بالدفء والمرح. تماسك فريق العمل وروح الدعابة المتبادلة يخفّفان التوتّر، ويحوّلان التحدّيات إلى لحظات ممتعة. أحيانًا تثيرني ردود فعل المتعلّمين البسيطة والمفاجئة، ابتساماتهم وتعليقاتهم الصادقة تضيف نكهة خاصّة إلى الصفّ. هذا المزج من الألفة والإيجابيّة يجعل الضحك جسرًا يربط بين القلب والعقل، ويجعل المدرسة مكانًا ينبض بالحياة والتعلّم بسعادة.

 

أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأتِه في صفّحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟

مقال الوحدة المتداخلة: خطوة نحو تعليم مبتكر، أعجبني لأنّ محتوى المقال يقوم على تجربة ترتكز على الابتكار في التّعليم وتتخطّى الحواجز بين الموادّ الدراسيّة وتنمّي مهارات التفكير العليا لدى المتعلّمين.

 

إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ ولماذا؟

إذا كتبت يومًا كتابًا عن تجربتي في التعليم، سيكون عنوانه "شُعلة المعرفة والإنسانيّة". فهو يجسّد رحلتي بين دفّات الصفوف، حيث المعرفة لا تُنقل فقط، بل تُغرس مع قيم العدل الرحمة والهويّة. الكتاب سيكون شهادة على التحدّيات والانتصارات، وعلى لحظات الفرح والدهشة مع المتعلّمين. إنّه دعوة لكلّ من يسير في هذا الطريق، ليرى التعليم رسالة تحمل الأمل وتزرع الإيمان بمستقبل أفضل.