التعليم في أوقات الأزمات: نماذج ميدانيّة من لبنان 
التعليم في أوقات الأزمات: نماذج ميدانيّة من لبنان 
نورا مرعي | مشرفة تربويّة وأستاذة جامعيّة- لبنان

تتعرّض المنظومات التربويّة في المنطقة العربيّة لاضطرابات بنيويّة، بسبب الحروب والتصعيدات المتكرّرة، ما يهدّد الحقّ في التعلّم ويضاعف الفجوات. في لبنان، أدّت الأعمال الحربيّة الأخيرة إلى إقفال جزئيّ أو كلّيّ لعشرات المدارس، خصوصًا في الجنوب، وتحويل مئات المباني المدرسيّة إلى مراكز إيواء، ما تسبّب في تقطّع استمراريّة التعلّم. يبرّر ذلك تطوير مقاربة تعليميّة في حالات الطوارئ، تراعي الصدمات وتتمحور حول المدرسة والمعلّم، باعتبارهما خطّ الدفاع الأوّل عن حقّ الطفل في التعليم. 

لذا، تسعى هذه الدراسة للإجابة عن السؤال المحوريّ: كيف نجح المعلّم اللبنانيّ في الحفاظ على استمراريّة التعلّم، على الرغم من الصدمات والانقطاع؟ 

 

 الإطار المفاهيميّ والمنهجيّ  

 التعليم في حالات الطوارئ (EiE) 

توفّر الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ (INEE, 2024) معايير دنيا للجودة وإتاحة التعليم في ثلاثة أطوار: الجهوزيّة، والاستجابة، والتعافي، مع تركيز على: 

  • - السلامة والحماية، باعتبار المدرسة مساحة آمنة نفسيًّا وجسديًّا. 
  • - العدالة في الوصول إلى التعليم من دون تمييز. 
  • - الدعم النفسيّ والاجتماعيّ بوصفه شرطًا للتعلّم الفعّال. 
  • - الإدارة الرشيدة والتنسيق لضمان الاستمراريّة. 

 

وقد أدرك المعلّم اللبنانيّ أنّ الطفل المتألّم لا يتعلّم؛ لذا جعل من الصفّ مساحة أمان نفسيّ، قبل أن يكون فضاءً دراسيًّا. فبدأ يومه بتحيّة حانية، وحوار قصير حول المشاعر، وأنشطة فنّيّة بسيطة تساعد التلامذة في التعبير عمّا في دواخلهم. 

 السياق العامّ: لبنان (2023–2025) 

شهد لبنان إغلاقات واسعة في الجنوب، وتضرّرًا كبيرًا للبُنى المدرسيّة، واستخدام مئات المدارس ملاجئ مؤقّتة، ثمّ استئنافًا تدريجيًّا للدراسة. عملت اليونيسف مع وزارة التربية على تنفيذ خطّة الاستجابة المعدّلة للتعليم في الطوارئ (EECRP)، الهادفة إلى إعادة فتح المدارس وتأهيلها، وتأمين استمراريّة التعلّم للأطفال جميعهم. 

كما استعاض المعلّمون عن المناهج الكاملة بخطط مصغّرة، تركّز على المهارات الأساسيّة (القراءة والكتابة والحساب)، واعتمدوا الصفوف المتنقّلة والحِزم التعليميّة المطبوعة. 

انطلاقًا من هذا الواقع، يمكن رصد أبرز الممارسات التربويّة التي اعتمدها المعلّمون لتأمين تعليم شامل وعادل للمتعلّمين تحت الصدمة، كما يبيّن العرض الآتي: 

 

 الممارسات التربويّة لتأمين تعليم شامل تحت الصدمة 

أظهرت التجربة اللبنانيّة أنّ المعلّم، في ظلّ الخطر، تحوّل من ناقل للمعرفة إلى صانع لفرص التعلّم، باجتهادات فرديّة وجماعيّة، هدفت إلى ضمان التعليم الشامل للتلامذة كافّة، على الرغم من اختلاف ظروفهم النفسيّة والاجتماعيّة. 

 روتين الأمان النفسيّ والتربويّ 

افتتح المعلّمون الحصص بتمارين قصيرة (تنفّس عميق، تذكّر مكان آمن، حوار مشاعر)، مع جدول واضح للحصّة وتوقّعات سلوكيّة بسيطة. ساعد هذا الروتين في تهدئة التوتّر وإعادة الانتباه للدرس. 

 تصميم تعلّم مرن وفاقًا للتصميم الشامل للتعلّم (UDL) 

نوّع المعلّمون المدخلات التعليميّة (نصوصًا مسموعة ومطبوعة ومصوّرة)، والمخرجات (عروضًا شفهيّة، ورسومات، وتمارين قصيرة)، وراعوا تفاوت مستويات الصعوبة، فأتاحوا لكلّ تلميذ التقدّم بحسب قدرته. 

 الحِزم التعليميّة للانقطاع المتكرّر 

وزّعت المدارس حقائب أسبوعيّة مطبوعة ورقميّة، تشمل أهدافًا مبسّطة، وتمارين قصيرة، وشروحات مصوّرة، وخطوط إحالة للدعم النفسيّ، استلهامًا من تجربة غزّة وبرامج الأونروا. 

 الدعم النفسيّ والاجتماعيّ الممنهج (MHPSS) 

نُظّمت جلسات صفّيّة أسبوعيّة (20 دقيقة)، تضمّ دوائر مشاعر، وكتابة تعبيريّة، ولعب أدوار، حول حلّ النزاعات وتعزيز السلوك الإيجابيّ، ما خفّف من آثار الصدمة وعزّز الشعور بالانتماء. 

 النماذج الميدانيّة من مدارس الجنوب اللبنانيّ 

في ظلّ التصعيد المتواصل في الجنوب اللبنانيّ، ارتكزت جهود وزارة التعليم والتعليم العالي اللبنانيّة على إعادة إحياء المدرسة فضاء للتعلّم والدعم المجتمعيّ، بدل أن تبقى مجرّد بنية تعاني الانقطاع. تشير بيانات ورقة الحقائق حول الاستجابة التعليميّة الطارئة في لبنان، إلى أنّ أكثر من 600 مدرسة عامّة تحوّلت إلى مراكز إيواء حتّى أوائل 2025، ما فرض على المعلّمين إعادة تصميم البيئة الصفّيّة بأقلّ موارد ممكنة​ (UNESCO, 2024).

وفي ضوء ما أظهرته التجارب الواقعيّة من أثر بالغ للمعلّمين في البيئات الحدوديّة، تزداد الحاجة إلى توثيق الممارسات الميدانيّة، والتي برهنت على أنّ التعليم الشامل في الأزمات ليس ترفًا تربويًّا، بل ضرورة وجوديّة، لضمان استمرار التعلّم وصون كرامة الطفل. 

ما جرى في مدارس الجنوب اللبنانيّ أثناء حرب 2023–2024، يمثّل نموذجًا إنسانيًّا وتربويًّا غنيًّا يستحقّ الإبراز، لما انطوى عليه من مبادرات فاعلة أطلقها المعلّمون والإدارات المدرسيّة في أحلك الظروف، ما أعاد إلى المدرسة دورها الحيويّ بوصفها فضاء للتعافي. 

 

 ثانويّة صور الرسميّة للبنات (2023–2024) 

تحوّلت المدرسة إلى مركز تعليم طارئ، يستقبل نازحين من قرى الحدود استجابة لحالة الطوارئ. وأطلقت وزارة التربية مبادرة استيعاب مدارس ومراكز تدريب أعدادًا كبيرًا من الأطفال النازحين في جنوب البلاد، في إطار مبادرة "الاستجابة للطوارئ"، بعد خمسين يومًا من الانقطاع المدرسيّ. وتندرج خطّة الطوارئ التعليميّة التي تضمّ عشر مدارس وعشرة مراكز تدريب، ضمن مبادرة "مرونة التعليم" التي أطلقتها وزارة التعليم العالي، لإنشاء بيئات تعليميّة آمنة يسهل الوصول إليها، وتوفير الموارد الأساسيّة للتعلّم الفعّال، بدعم من المركز التربويّ للبحوث والإنماء، في ظلّ ما شهدته مناطق عدّة  من قصف متبادل" (ميدل إيست أونلاين، 2023).​ إذًا، اعتُمدت خطّة مرنة بالتعاون مع الوزارة، فقُسّمت الصفوف، ونُظّمت أنشطة دعم نفسيّ وفنّيّ يوميّة. 

 

مدارس قضاء بنت جبيل (2024) 

تُظهر تحديثات مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة، أنّ 97٪ من النازحين داخليًّا حتّى آذار/ مارس 2024، خرجوا من مناطق بنت جبيل وجوارها، ما فاقم الانقطاع التعليميّ وتعطيل المدارس، أو استخدامها مراكز إيواء​ (Save the Children, 2024)​. استجابت المدارس الرسميّة في القضاء بترتيبات تعليميّة مرِنة، لضمان الحدّ الأدنى من الاستمراريّة: تقليص أحجام المجموعات الصفّيّة عند التمكّن من الحضور، وتسليم موادّ مطبوعة، واللجوء إلى قنوات تواصل منخفضة التقنيّة مع الأسر (عند تعذّر الحضور أو انقطاع الكهرباء/ الإنترنت). وتتماهى هذه الترتيبات مع نهج الاستجابة الوطنيّ بقيادة وزارة التربية وتدخّلات الشركاء، إذ عملت اليونيسف على تحديد مدارس محوريّة (Hubs) إضافيّة في الجنوب، لضمان استمراريّة التعلّم واستيعاب المتعلّمين النازحين في حالة الحرب، إلى جانب دعم لوجستيّ ونقل مستهدف، فيما وثّقت Education Cannot Wait إغلاق عشرات المدارس جنوبًا، وتأثّر نحو 20 ألف تلميذ، بما استدعى توسيع طاقة الاستيعاب، وتوفير بيئات تعلّم آمنة​ (Education Cannot Wait, 2024).  

 

مدارس يارين، علما الشعب، الضهيرة والبستان (2023–2024)  

توقّف التعليم الحضوريّ في هذه المدارس بشكل شبه تامّ طوال فترة التصعيد العسكريّ، نظرًا إلى المخاطر الأمنيّة المتكرّرة في المنطقة الجنوبيّة. وقد أقفلت مدرسة علما الشعب أبوابها كلّيًّا، وأُدمج تلامذتها – ولا سيّما تلامذة الشهادة المتوسّطة – بمدرسة الضهيرة، لتمكينهم من متابعة الدروس والترشّح للامتحانات الرسميّة. وأُلحق أساتذتها بمدارس لا تعتمد تطبيق الأونلاين، وفقًا للبلدة التي نزحوا إليها. وحرصًا على استمراريّة التعلّم، فعّلت الإدارات المدرسيّة، بالتنسيق مع المنطقة التربويّة في الجنوب وبتوجيهات وزارة التربية والتعليم العالي، قنوات تعليم بديلة اعتمدت على التواصل الرقميّ منخفض التكلفة، مثل مجموعات واتساب، وتطبيقات مبسّطة لتبادل الدروس والأنشطة. وقد ساعدت هذه الخطوة في الحفاظ على الترابط بين المعلّمين والتلامذة، وتأمين حدّ أدنى من المتابعة الأكاديميّة، خصوصًا في الموادّ الأساسيّة. وأظهرت هذه التجربة المحلّيّة مرونة تربويّة لافتة، إذ مثّلت نموذجًا مصغّرًا لما يمكن تسميته بـ"التعلّم في الطوارئ عبر أدوات مجتمعيّة"، وأبقت التلامذة في أجواء التعليم، وأُعيد الاعتبار لدور المعلّم والمجتمع في صون الحقّ في التعليم، حتّى في أحلك الظروف. 

 

تُظهر النماذج اللبنانيّة أنّ المعلّمين واجهوا الأزمة بقدر عالٍ من الإبداع والمبادرة، فحوّلوا التعليم إلى فعل جماعيّ تشاركيّ بين المدرسة والمجتمع المحلّيّ. وتبرز هنا ثلاث سمات رئيسة: 

  1. 1. شمول التعليم على الرغم من الانقطاع المكانيّ، باستخدام الحقائب والمراكز البديلة. 
  2. 2. دمج الدعم النفسيّ - الاجتماعيّ في اليوم الدراسيّ. 
  3. 3. اعتماد UDL والوسائط المتعدّدة لتقليص الفجوات. 

 

كما تبيّن أنّ المعلّم اللبنانيّ في مواجهة الخطر، تجاوز دوره الأكاديميّ، ليصير عامل توازن نفسيّ واجتماعيّ، حافظ على بوصلة الأمل في بيئة فقدت استقرارها. 

وانطلاقًا من الدروس الميدانيّة في مدارس الجنوب اللبنانيّ، يمكن اقتراح نموذج وطنيّ للتعليم الشامل في الأزمات، يقوم على ثلاث ركائز مترابطة: 

أوّلًا: الرؤية: 

المدرسة بيئة تعافٍ آمنة نفسيًّا وتربويًّا، تحفظ حقّ الطفل في الأمان والتعلّم، وتدمج الدعم النفسيّ والاجتماعيّ في صلب العمليّة التعليميّة. 

ثانيًا: المحاور: 

  • - الدعم النفسيّ والاجتماعيّ (MHPSS): جلسات تعبير وأنشطة فنّيّة منتظمة، لتخفيف الصدمة وتعزيز التوازن الانفعاليّ. 
  • - التعليم المرن: اعتماد طرائق بديلة، مثل التعلّم المدمج والحقائب التعليميّة، لتجاوز الانقطاع. 
  • - الشراكة المجتمعيّة: إشراك الأهل والبلديّات والمنظّمات الأهليّة في دعم استمراريّة التعليم. 

ثالثًا: آليّات التنفيذ: 

  • - إعداد دليل وطنيّ للمعلّمين حول التعليم الشامل في الأزمات، يشمل استراتيجيّات دعم نفسيّ وتعلّم مرن. 
  • - تشكيل فرق تربويّة ميدانيّة لمتابعة تطبيق النموذج وتوثيق التجارب. 
  • - إدماج النموذج في سياسات وزارة التربية وخطط الشركاء الدوليّين لضمان الاستدامة. 

 

يهدف هذا النموذج إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعلّم داخل الأزمة، وبناء نظام تربويّ لبنانيّ يحمي المتعلّمين، ويصون كرامتهم وحقّهم في التعليم. 

 

 *** 

تُظهر هذه الدراسة أنّ التعليم في أوقات الأزمات ليس مجرّد استمرار للعمليّة التعليميّة، بل رهان على الإنسان نفسه - على المعلّم والمتعلّم والمجتمع - في مواجهة الانهيار.  

الممارسات التي اعتمدها المعلّمون اللبنانيّون من دعم نفسيّ واجتماعيّ، وتطبيق UDL، وإعداد الحقائب التعليميّة، تشكّل نواة نموذج وطنيّ للتعليم الشامل تحت الصدمة. وتستند الاستجابة التربويّة الناجحة في الطوارئ إلى: 

  1. 1. الإنسان قبل المنهاج. 
  2. 2. المرونة بدل الصرامة. 
  3. 3. الشراكة بدل الفرديّة. 

 

ويُوصى بـ: 

  • - دمج مفاهيم التعليم في الطوارئ ضمن مناهج إعداد المعلّمين. 
  • - تطوير خطط وطنيّة مستدامة للتعليم الشامل في الأزمات. 
  • - إنشاء وحدات دعم نفسيّ داخل المدارس. 
  • - تعزيز الشراكات بين الوزارة والمجتمع المدنيّ والمنظّمات الدوليّة. 

 

لم يكن المعلّم اللبناني ناقلًا للمعرفة وحسب، بل حوّل الخوف إلى تعلّم، واليأس إلى أمل. 

 

المراجع 

- ميدل إيست أونلاين. (2023). انطلاق مدارس "الاستجابة للطوارئ" لتعليم النازحين من قرى الجنوب اللبنانيّ.  

- ​​UNESCO. (2024). Fact sheet on education emergency response in Lebanon. 

- ​Save the Children. (2024). Education disrupted for the sixth year: 1.5 million chilمنdren in Lebanon as half of public schools are used as shelters. 

​Education Cannot Wait. -  (2024).Southern Lebanon crisis response: Education cannot wait announces new US$2.2 million grant to improve access to inclusive, quality education, bringing total ECW funding in Lebanon to US$24 million.