التعليم المستقبليّ: عندما تُصبح القيم جزءًا من الدرس لا هامشًا له
التعليم المستقبليّ: عندما تُصبح القيم جزءًا من الدرس لا هامشًا له
محمّد تيسير الزعبي | خبير مناهج اللغة العربيّة وأساليب تدريسها، ومصمم برامج تدريبيّة - الأردن

يلتفت ملفّ العدد الرابع والعشرين من منهجيّات إلى الجانب القيميّ في شخصيّة الطالب، ويضعه في درجة مساوية للجانب التعليميّ، مُبرزًا -ملف العدد- أهمّيّة التركيز على إعداد الطلبة ليكونوا مستقبل مجتمعاتنا، بما لهذا المستقبل من تطلّعات وتحدّيات ومهارات مطلوبة، تجعل الوصف الذي نُطلقه دومًا على الطلبة: "أنتم مستقبلنا" ينطبق عليهم بدرجة عالية. لكنّ الواقع ليس ورديًّا بهذه الصورة، وهو في جانب منه إفراز آخر للتطوّرات التكنولوجيّة، وسهولة استخدام مواقع التواصل الاجتماعيّ التي يرى فيها الطلبة تجلّيات القيم بجوانبها المتعدّدة، فيتأثّرون ويؤثّرون، ويأتون إلى المدرسة مُحمّلين بهذا الكمّ الهائل من المحتوى الذي يظهر في سلوكهم، والذي يجب أن يتعامل معه المعلّمون والمعلّمات بأعلى درجات الحكمة.   

هذا المقال محاولة لاقتراح بعض الأنشطة التي تضع بعض القيم المُلحّة تحت المجهر، مثل قبول الاختلاف، ومرونة التفكير، والنظر إلى الأمور الحياتيّة من زوايا متعدّدة. فهي تؤثّر مباشرة في السلوك الفرديّ، واتّخاذ القرارات مستقبلًا، وترتبط بشكل وثيق بأنماط التفكير النقديّ التي يجب أن يمتلكها الطلبة، في واقع متلاطم متداخل يدّعي كلّ طرف فيه امتلاك الحقيقة وحده.  

 

مفهوم القيمة في المدرسة والمنهاج 

يُحلّل المعلّمون والمعلّمات محتوى مناهجهم في بداية العام الدراسيّ، وفي أحد عناصر تحليل المحتوى نجد مفهوم القيم والاتّجاهات.  

في تقديري، الخلط بين المفهومَين أحد أسباب الإشكاليّة التي تزيد الفجوة بين النظريّة والتطبيق. وهو يدفع الطلبة إلى ارتكاب كثير من السلوكات غير المنتجة أو غير المُرضية. وهذا المقال السابق في منهجيّات "لماذا يختم الطلبة عامهم الدراسيّ بتمزيق كتبهم؟" مثال يمكن تأمّله.  

يترتّب على القيمة في المنهاج المدرسيّ مُساءلة مجتمعيّة. وبهذا الوصف تندرج ضمن الأعراف والتقاليد لا ضمن الحرام، مثل قيادة السيّارة بسرعة وتهوّر، أو رفع صوت الأغاني في المنزل فيسمعها الجيران، أو إطلاق الاتّهامات في مواقع التواصل الاجتماعيّ من دون دليل. فظاهر هذه القيم أنّها تقع في نطاق ملكيّة الفرد الخاصّة، وهذا صحيح، لكنّ المجتمع يتضرّر من التصرّف في الملكيّة الخاصّة بطريقة مؤذية وسلبيّة.  

 

أمّا الاتّجاه فهو ميل ذاتيّ للفرد، مثل حبّ اللون الرماديّ، أو الرغبة بقضاء العطلة في منطقة ساحليّة لا جبليّة. في هذه الحالة يكون الميل فرديًّا غير مؤذٍ للآخرين، ولا ينتج عن القيام به أيّ ضرر للمجتمع.  

عند تدريس الطلبة، يحدث الخلط بين مفهومَي القيمة والاتّجاه. بينما الأصل أن يُدرك الطالب بعمق أنّ القيمة مبدأ ثابت لا يرتبط به وحده، حتّى وإن وقع في حيّزه الخاصّ، وملكيّته الشخصيّة. في حين أنّ الاتّجاه نسبيّ، ويمكنه التعبير عنه بمطلق الحرّيّة.  

عندما يعرف الطالب حدوده في القيم، فلن يفسّر الأمر على أنّه اعتداء على حرّيّته الشخصيّة، ولن يتمترس بحجّة أنّها تحدث في ملكيّته الخاصّة. إنّما يُفترض به أن يحلّل القيمة تحليلًا أخلاقيًّا نزيهًا، يُخرِجه من دائرة السلبيّة والانتقائيّة، فلا يكون التزامه بها مرهونًا بإعجابه بها أو عدم إعجابه، ولا بالشخص الذي يتعامل معه، فيتنازل عنها لمن يحبّ، ولا يتنازل عنها لمن لا يحبّ.  

بيان الحدّ الفاصل بين القيم الواجب إظهارها والاتّجاهات الشخصيّة للطلبة، يُضفي على التعليم بُعدًا قيميًّا يدفع الطالب إلى الشعور بمسؤوليّة أخلاقيّة تجاه المجتمع وأفراده، وأنّ القيم ليست رأيًا شخصيًّا أُظهِره متى ما أريد، إنّما شرط أساسيّ للسلوك الأخلاقيّ الواعي الذي تترتّب عواقب على ارتكابه.   

 

من النصح إلى الأنشطة : كيف يتقبّل الطلبة الاختلافات بينهم؟  

لوم الطلبة والاستمرار في نصحهم وإرشادهم قد لا يحقّق الغاية المطلوبة في معالجة هذا الإشكال السلوكيّ، في حين أنّ إشراكهم في أنشطة ومهمّات يرون بواسطتها معنى السلوك الصحيح، بعيدًا عن سلطة الأمر والنصيحة، يُعدّ أكثر جدوى. فالنشاط والمهمّة يُتيحان للطلبة اكتشاف المعنى الشخصيّ للسلوك، فيعرف الطالب، على سبيل المثال، كيف يؤذي التنمّر الآخرين، ويعيش شعور المتنمَّر عليه، ويدرك الأثر الإيجابيّ للتوقّف عن التنمّر. 

يمكن للمعلّم اختيار قضيّة إشكاليّة تحتمل الاختلاف، مثل: لو كنتَ مسؤولًا عن المدارس، هل تسمح بتعليم الطلبة ذوي الإعاقة في المدارس العاديّة أم لا؟ ولماذا؟ أو: هل تؤيّد السماح باستخدام الطلبة لهواتفهم في المدرسة، أم تعارض ذلك؟ وربّما تكون هذه القضايا مناسبة للمراحل المتوسّطة أو العليا.  وليحصلَ المعلّم على استجابات كافية، فبإمكانه اختيار قضيّة تناسب المرحلة التي يدرّسها.  

يضع كلّ طالب أسبابه ومبرّراته بشكل فرديّ، ثمّ يُقسّم المعلّم الطلبة إلى قسمَين بناء على موقف كلّ طالب: مجموعة تؤيّد الرأي المطروح ومجموعة تعارضه. وتكتب كلّ مجموعة ما يدعم رأيها في ورقة كبيرة.  

 

في المرحلة التالية، تأخذ كلّ مجموعة مبرّرات المجموعة الأخرى وتتبنّاها وتدافع عنها، وكأنّها مبرّراتها وأسبابها، ثمّ ينخرط الطلبة مع المعلّم في نقاش وحوار حول أهمّيّة الاختلاف، وكونه لا يتعارض مع الاحترام، وأنّ لكلّ منّا رأيه، وأنّ الرأي ينبغي له دليل ومبرّر، ولا يُطلق عبثًا.  

مثل هذا النشاط يسمح بتحليل وجهات النظر بطريقة نقديّة، ويركّز على الفكرة لا على قائلها، ويفتح المجال لاحتماليّة أن يُغيّر الطالب رأيه استنادًا إلى رؤية الآخرين الموقف نفسه. وفي الوقت ذاته؛ فالمهارات التي يكتسبها الطالب من هذا النشاط، يمكن أن تظهر في حصّة التاريخ أو الاجتماعيّات، وفي موضوعات التعبير، أو حلّ أسئلة درس العلوم.  

يمكن للمعلّم تطوير هذا النشاط فيما بعد، ليصبح محدّدًا أكثر في نمط معيّن، مثل ما يرد في هذا المقال في منهجيّات محكّات التفكير: الإجابة المقبولة ليست في ذهن المعلّم وحده، أو يمكن تحويل هذا النشاط إلى مناظرة مكتملة الشروط والأركان.  

 

أحكام مُنصفة 

نشاط آخر يمكن للمعلّمين والمعلّمات تنفيذه، خصوصًا للمراحل الأساسيّة، بهدف بيان أهمّيّة الإنصاف والعدل قبل إطلاق الحكم. يبدأ النشاط بأن يعرض المعلّم فيديو أو حالة غير واضحة الأدلّة، فيها نقص يؤثّر في الحكم، مثل أن يظهر شخص لا يقدّم المساعدة إلى المحتاجين، ليتبيّن لاحقًا أنّه عاجز أو من ذوي الإعاقة.  

يطلب المعلّم إلى طلبته تأمّل الفيديو أو الحالة بشكل ثنائيّ، وإصدار حكم على الشخص الذي يظهر فيها مبرّرين حكمهم، ويستمع إلى بعض الثنائيّات مع بقيّة الطلبة. بعد ذلك يكشف عن دليل واحد فقط، ويمنح الطلبة فرصة لتعديل أحكامهم وفق الأدلّة الجديدة التي ظهرت، ويعود إلى الاستماع إلى أحكامهم من جديد.  

بعد ذلك يكشف عن الوضع النهائيّ للشخصيّة في الفيديو أو الحالة، ويستمع إلى حكمهم النهائيّ.  

 

يثير المعلّم نقاشًا عميقًا حول اضطرار الطلبة إلى تغيير أحكامهم بعد ظهور دليل جديد. ويسألهم لماذا غيّروا أحكامهم؟ وما تأثير الأدلّة الكاملة في إصدار الحكم؟ كما يشدّد على أهمّيّة تطرّق أفكار الطلبة وإجاباتهم إلى مسألة ضبط النفس، وعدم التسرّع في إطلاق الأحكام من دون كفاية الأدلّة. وإلى أنّ هذا قد يكون فيه ظلم للآخرين، بينما التمهّل لتأمّل الأدلّة والمبرّرات الكافية، قد يكون الحلّ الأفضل لمعالجة المواقف في حياتنا الواقعيّة. 

مثل هذا النشاط قد يتطوّر لاحقًا ليظهر في الفنون الأدائيّة مثل المسرح، ويمكن الاستفادة من مقال منهجيّات ما الذي تستطيع الفنون تقديمه في حصّة اللغة العربيّة؟ للحصول على أفكار تنفيذيّة، بحيث يكون العدل والإنصاف محور مسرحيّة تعرض على مسرح المدرسة، أو يكونا موضوعًا لمواقف دراميّة سريعة وقصيرة تُعرض في الإذاعة المدرسيّة، أو المناسبات المختلفة.  

 

من أكثر من زاوية  

نشاط آخر يمكن للطلبة تنفيذه في المراحل الدراسيّة المختلفة، يقوم على تبنّي أدوار مختلفة، بحيث تناقش كلّ مرحلة قضيّة تناسبها. يُقسّم المعلّم الطلبة إلى أربع مجموعات: تمثّل الأولى الأهالي وأولياء الأمور؛ وتمثّل الثانية المجتمع المحيط بالأهالي والمدرسة من الأقارب والجيران؛ وتمثّل الثالثة المدرسة بمعلّميها وقيادتها؛ بينما تمثّل المجموعة الرابعة الطلبة.  

يعرض المعلّم على الطلبة موقفًا فيه ارتكاب لسلوك مؤذٍ، مثل شجار في ساحة المدرسة بين طالبَين، أو كاميرا ترصد طالبًا يسخر من آخر. ويعرض موقفًا آخر لقيمة إيجابيّة، مثل طالب يضحك مع آخر من عرق أو لون مختلف، أو من ذوي الإعاقة.  

كلّ مجموعة من مجموعات الطلبة تنظر إلى الموقف من وجهة نظرها، وتفسّره، وتتأمّله، وتقدّم اقتراحات للتخلّص منه أو دفع الطلبة إلى الالتزام به، وفق الدور الذي تمثّله. وبعد الاستماع إلى اقتراحات المجموعات، يقود المعلّم نقاشًا حول اختلاف التفسيرات بحيث تبدو كلّها مُنصفة، ثمّ يربط هذا الإنصاف بواقع حياتنا. 

 

يتيح المعلّم لكلّ طالب أن يكتب عبارة تُعلّق على الألواح في ممرّات المدرسة، يكمل فيها عبارة: لن أتبنّى رأيًا بخصوص أيّ قضيّة إلّا بعد أن... ويبدأ المعلّم بنفسه بحيث يكون قدوة للطلبة: لن أتبنّى رأيًا بخصوص أيّ قضيّة إلّا بعد أن أضع نفسي مكان الأطراف التي تتأثّر فيها، كي يكون حكمي منصفًا وعادلًا. 

نشاط بسيط وجماعيّ آخر ينفّذه المعلّمون والمعلّمات، بإحضار قائمة قيم وسلوكات وآراء واتّجاهات، ويدفعون الطلبة إلى تقسيمها في قائمتَين، بحيث يتّضح لهم الفرق الجوهريّ بين الرأي الذاتيّ الذي لا يؤثّر في الآخرين، والقيمة التي يؤدّي القيام بها إلى التأثير في المجتمع والمحيطين.  

تبرّر كلّ مجموعة أسباب تصنيفها بهذه الطريقة، ثمّ يوجّه المعلّم الحوارات والنقاشات إلى أهمّيّة عدم الخلط بين القيم التي تؤثّر في المجتمع، والسلوكات الفرديّة التي لا تهمّ سوى صاحبها، ولا أثر لها إلّا فيه.  

 

القيمة ليست خيارًا  

لكي تؤتي هذه الأنشطة أثرها، ينبغي أن يُتاح للطالب اختبار القيمة بنفسه، بضمان انخراط جميع الطلبة من دون استثناء، ووضعهم على قدم المساواة من دون تمييز. فغياب هذا الشرط قد يوقعنا في تناقض غير محمود بين ما نريده تربويًّا وما نمارسه فعليًّا. إنّ إشراك الجماعة في أنشطة تُظهر معنى القيمة وضرورتها للفرد وإلى المجتمع معًا، يُشكّل مدخلًا حقيقيًّا لتغيير السلوك. وفي هذا السياق، يُوجَّه السؤال إلى المجموعة كلّها على القدر نفسه: كيف نريد أن نرى مجتمعنا؟ عندها تصبح المجموعة شريكة في التفكير والمسؤوليّة، ويشعر كلّ فرد فيها بأنّه معنيّ مباشرة بصناعة صورة المجتمع الذي يرغب في العيش فيه.  

إعداد المتعلّمين والمتعلّمات ليس أمرًا بسيطًا ولا سهلًا، وأرى أنّ ظهور السلوكات غير المرضيّة يعود إلى عدم اقتناع الطالب بأهمّيّة ما يتعلّمه؛ إذ لم ننجح في جعل ما يتعلّمه قيمة تترسّخ في قناعاته وتنعكس في  سلوكاته. وهذه القيمة يحقّقها المنهج الخفيّ في أداء المعلّمين والمعلّمات، أكثر ممّا يحقّقه أيّ عنصر آخر. فنرى الطلبة يحفظون تعريفات الصدق والأمانة والنظافة، في حين تتعارض تصرّفاتهم وسلوكاتهم مع هذه المعرفة. لذلك، يصبح من الضروريّ إشراك الطلبة في تجارب وأنشطة ومهمّات يختبرون بها تلك القيم، بما يجعلهم:  

  • 1. يُظهرون القيمة عن قناعة وليس لأنّها فرض وواجب. 
  • 2. لا يربطون القيم بالجوائز والمكافآت، بل بإضفاء بُعد إنسانيّ يجعلهم يتلمّسون فائدة القيمة للمجتمع.  
  •  

وبما يجعل المعلّمين والمعلّمات: 

  • - يصمّمون أنشطة ومهمّات يعيش فيها الطالب شعور القيمة، وإحساس غياب القيمة، فتركّز على نتائج ممارستها أو عدم ممارستها، ليعيش الطالب الحالتَين. 
  • - يتجنّبون إصدار الأحكام، ويركّزون على إثارة الأسئلة التي تثير تفكير الطالب النقديّ، مثل: لماذا تصرّفت بهذه الطريقة؟ ما الذي كسبته بعد أن تصرّفت بهذه الطريقة؟ لو تكرّر الموقف هل ستتصرّف بالطريقة ذاتها، أم تعدّل فيها؟ 
  • - التركيز على المنافع العامّة والجمعيّة لعموم الناس، ودفع الطالب إلى الخروج من دائرة المصلحة الشخصيّة.

*** 

يعدّ إظهار القيم الإيجابيّة النافعة التي يستفيد منها عموم الناس، أساس العمليّة التعليميّة والتربويّة وغايتها ومنتهاها، إذ لا يرغب أيّ واحد فينا في أن يكون متفوّقًا في التحصيل المدرسيّ، بينما لا يتحمّل مسؤوليّة قيميّة وأخلاقيّة تسهم في رفعة المجتمع ورقيّه. ذلك أنّ قيم الحوار وتقبّل الآخر والتعاطف والإنصاف، ينعكس اكتسابها في علاقات الفرد مع العائلة والأسرة أو الأصدقاء أو بيئة العمل. وبذلك نضمن أنّنا قدّمنا للمجتمع طالبًا سويًّا قادرًا على التعامل مع محيطه، بعيدًا عن الخوف والقلق وضعف الانتماء. غير أنّ هذا الأمر لن يتحقّق ما دام التعامل مع تدريس القيم قائمًا على اعتبارها معلومات ومعارف ينبغي حفظها واستظهارها.