ممارسات صفّيّة بعين مستقبليّة
ممارسات صفّيّة بعين مستقبليّة
زينب قانصو | تربويّة ومعلّمة صفّ - قطر

من الملاحظ أنّ المؤثّرين في يومنا هذا ينشرون محتوى مرئيًّا متنوّعًا، يشير إلى أنّ الإنسان يقضي حيّزًا من عمره في المراحل الدراسيّة كافّة. وتتناول هذه الفيديوهات أسئلة تفكيريّة متعدّدة، حول نوعيّة التعليم الذي يُقدَّم إلى الأطفال في المدارس، وعلاقته بالحياة الاجتماعيّة، وتأثيره في مستقبلهم وبناء شخصيّتهم وتطوير فكرهم. وحتّى لو تجاهلنا دقّة هذه الملاحظة، لا يمكننا التغاضي عن هذه التساؤلات المهمّة والتوجيهيّة.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى بعض المناهج التعليميّة المعاصرة، ومن بينها منهج البكالوريا الدوليّة، بوصفها نماذج تربويّة تقوم على ربط المعارف بالمفاهيم وتوظيفها في سياقات الحياة اليوميّة بصورة متكاملة. ويرتكز هذا المنهج على التعلّم القائم على الاستقصاء المفاهيميّ؛ أي البحث عن المعرفة والمعلومات من مصادر ووسائل متعدّدة، مثل الكتب والقصص والمستندات البصريّة والمقابلات الشخصيّة، والرحلات الميدانيّة خارج المدرسة، وغيرها من الأدوات، بحيث يصبح كلّ موقف أو مشكلة أو حتّى تحدٍّ، فرصة حقيقيّة للتعلّم. كما يركّز هذا المنهج على تهيئة المتعلّمين ليكونوا فاعلين في مجتمعاتهم، وذلك بتسليحهم بمهارات التعلّم الخمس الأساسيّة التي تؤثّر في تشكيل شخصيّتهم وصقلها.

 

أساليب التعلّم لبناء مهارات المستقبل

يسعى العديد من المدرّسين لبناء أنشطة تعلّميّة مبتكرة باستخدام التطبيقات التكنولوجيّة، أو إدراج بعض الأنشطة اليدويّة في فصولهم، وهذا ليس بالأمر السيّئ إطلاقًا، لكن لا بدّ أن نسعى، بوصفنا تربويّين، لكي تحاكي هذه الخبرات التعليميّة اهتمامات المتعلّمين وميولهم.

ومن الضروريّ أن يخطّط المعلّمون لوحدات بحثيّة مرتبطة بواقع التلاميذ، وتُجيب عن تساؤلاتهم وتعكس اهتماماتهم بحسب اختلاف الفئة العمريّة، على أن تُشكّل هذه التجارب التعليميّة فرصة للطلّاب، تدفعهم إلى التفكير الناقد وطرح التساؤلات المفاهيميّة، وذلك بالعمل على تكريس أساليب التعلّم الخمس: مهارات التفكير، ومهارات البحث، والتساؤل، ومهارات إدارة الذات، والمهارات الاجتماعيّة، ومهارات التواصل .

ومن الملاحظ أنّ هذه المهارات تُشكّل مرتكزًا أساسيًّا لتحويل الممارسات الصفّيّة إلى ممارسات تحاكي متطلّبات التعليم المستقبليّ ورؤيته في العديد من البلدان المتطوّرة. فهذه الأساليب أصبحت تصوغ في يومنا هذا ملامح الشخصيّة القياديّة، والتي تسعى معظم المؤسّسات لتطويرها وتمكينها لدى أصحاب القرار والموظّفين الإداريّين. ومن المتوقّع أن تصبح، مع مرور الوقت، المفتاح الأساس في معايير النجاح للمنتجين عمومًا، ولرجال الأعمال والإداريّين خصوصًا.

 

إعداد الطلّاب لمواجهة تحدّيات المستقبل

تبرز الحاجة إلى دمج هذه المهارات والأساليب في الممارسات الصفّيّة، سواء كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمادّة التعليميّة، أم قُدِّمت بوصفها مهارة مستقلّة. فبدلًا من أن تبدأ المعلّمة بشرح عرض تقديميّ تقليديّ للدرس، يمكنها اعتماد استراتيجيّة الصفّ المقلوب، بحيث يُزوَّد الطلّاب بوسائل داعمة للتقصّي في البيت حول مفهوم أو هدف محدّدين، باعتماد مستندات بصريّة ومصادر تربويّة متنوّعة، تساعدهم في عمليّة البحث. وفي المرحلة التالية، يشارك المتعلّمون ما توصّلوا إليه في الصفّ، سواء بعمل فرديّ أو جماعيّ، ما يتيح استثمار وقت الحصّة في تعميق المفاهيم، والانطلاق مباشرة في التطبيقات والمشاريع العمليّة. وتسهم هذه الاستراتيجيّة في تعزيز مهارات متعدّدة، أبرزها مهارات البحث والتفكير، إضافة إلى مهارات التواصل والمهارات الاجتماعيّة، كما تعزّز لدى الطالب الشعور بالمسؤوليّة والقيادة، حين تُتاح له الفرصة لأداء دور المعلّم أو المرشد داخل الصفّ.

ولو أخذنا مثالًا على مفهوم "التعبير عن النفس" في مرحلة التعليم الثانويّ، نجد أنّه يشكّل مظلّة واسعة تندرج تحتها فرص ومهارات شتّى، تتداخل فيها أساليب التعلّم بصورة مترابطة. يُطلب إلى المتعلّمين العمل ضمن فريق لتحويل قصيدة أو نصّ شعريّ محدّد إلى عمل فنّيّ إبداعيّ، يحاكي اهتمامات الجيل الحاليّ ورغباته، ويتماشى مع العصر الرقميّ، بتحويل هذه القصيدة إلى فيلم سينمائيّ، أو عرض مسرحيّ، أو فقرة معلوماتيّة على مواقع التواصل الاجتماعيّ، أو حتّى إلى أغنية ذات لحن وإيقاع جديدَين. مثل هذا العمل يتطلّب من المتعلّمين التقصّي بعمق في مفهوم التعبير، والبحث في المجال الإعلاميّ الرقميّ الذي أصبح يشكّل ركيزة أساسيّة في العديد من مجالات العمل المعاصرة. كما يتيح هذا النشاط للطلّاب مواءمة المادّة الأدبيّة مع الواقع الحاليّ الذي يعيشونه، ويمنحهم فرصة تجربة الحياة واختبارها خارج جدران المدرسة، ما يُسهم في تطوير مهارات القيادة وصنع القرار، ويؤهّلهم ليكونوا قادة المستقبل في مجالاتهم، استعدادًا للانطلاق في مساراتهم المستقبليّة فور تخرّجهم.

 

وفي جوهر هذه الفرص التعليميّة، تتقاطع أساليب التعلّم الخمس ومهاراته بصورة واضحة. يعزّز هذا النشاط مهارات التفكير والبحث عن طريق تحليل الشعر، لتوليد أفكار إبداعيّة جديدة تحاكي وجهات نظر مبتكرة، كما تدفع المتعلّمين إلى استخدام المهارات والمعرفة السابقة في سياقات متعدّدة. جميع هذه الأنشطة تندرج ضمن المهارات الفرعيّة لمهارة التفكير، وتشمل أيضًا التفاعل مع وسائل الإعلام لاستخدام الأفكار والمعلومات وخلقها، وفهم الجوانب الاجتماعيّة والأخلاقيّة للتكنولوجيا وتطبيقها. كما يتطلّب إنجاح مثل هذا النشاط مستوى عاليًا من مهارات إدارة الذات، لا سيّما تنظيم الوقت، والعمل الفريقيّ، وإدارة المشاعر، بالانفتاح وتقبّل وجهات النظر المختلفة؛ إذ يعمد المتعلّمون إلى صياغة بروتوكولات عمليّة واضحة، بهدف المحافظة على المهنيّة والتعاون والتواصل في ما بينهم. وتتجلّى هنا المهارات الاجتماعيّة ومهارات التواصل، عن طريق الاستماع والتفسير والتحدّث وإدارة العواطف وبناء علاقات إيجابيّة.

 

ولو دقّقنا في مثال آخر لتلامذة الصفّ الثاني، ممّن اختاروا مشاركة رحلة تعلّمهم في نهاية الوحدة مع الأهل وعرضها، بتأليفهم تهويدة تعكس ثقافة الصفّ وهويّته، نرى أنّ هذا العمل يشكّل نموذجًا حيًّا لتكامل مهارات التعلّم الخمس، على الرغم من اختلاف حضور كلّ مهارة تبعًا للأهداف الفرعيّة للنشاط.

 

بهذه الممارسات التعليميّة، يصبح الطلّاب أكثر استعدادًا لمواجهة تحدّيات المستقبل. فاستراتيجيّة الصفّ المقلوب والمشاريع الإبداعيّة خارج جدران الصفّ، تعلّمهم الاعتماد على النفس، وحلّ المشكلات، والتفكير النقديّ، والتعاون الجماعيّ. كما إنّ دمج أساليب التعلّم الخمس يمنح الطلّاب القدرة على اتّخاذ قرارات مسؤولة، والإبداع في المواقف المختلفة، والتكيّف مع الواقع المتغيّر. وتجاربهم اليوميّة، سواء داخل الصفّ أو أثناء الأنشطة غير الصفّيّة، تجعل هذه المهارات جزءًا حيًّا وملموسًا من شخصيّاتهم، وتؤهّلهم ليصبحوا قادة المستقبل القادرين على الابتكار والعمل الجماعيّ واتّخاذ القرارات بثقة وكفاءة.

 

المهارات القياديّة في الممارسات اليوميّة

لا يمكن إغفال دور الممارسات اليوميّة والعلاقات الاجتماعيّة بين الطلّاب، في تعزيز المهارات الأساسيّة للتعلّم والقيادة. فحين يولي المعلّم اهتمامًا بالتفاعلات بين الطلّاب، ويحفّزهم على التفكير في حلّ المشكلات الاجتماعيّة البسيطة مثل النزاعات بين الأصدقاء، ويعمل على نمذجة التعاون والتواصل وإدارة الوقت والإبداع داخل الصفّ، فإنّه يسهم بشكل فعّال في تطوير شخصيّاتهم ومهاراتهم القياديّة. وتشمل هذه الفرص تفاعلات الطلّاب أثناء اللعب، وتناول الطعام، وتنقّلهم من المقصف وإليه، وحلّ مشكلاتهم اليوميّة، ما يمنحهم بيئة حقيقيّة لتطبيق مهارات التعاون والتواصل، وحلّ النزاعات، وتنظيم الوقت، واتّخاذ القرار.

على سبيل المثال، يمكن للمعلّم تنظيم مشاريع جماعيّة صغيرة أو ألعاب تعليميّة تتطلّب حلّ مشكلات مشتركة، مثل تحدّيات بناء نموذج أو حلّ لغز مع الزملاء، ما يعزّز لديهم مهارات الإبداع وتحمّل المسؤوليّة والعمل الجماعيّ. كما يمكن تشجيع الطلّاب على ابتكار قصّة جماعيّة أو إنتاج عرض مسرحيّ قصير، بحيث يشارك كلّ طالب بأفكاره ومهاراته، ويتعلّمون التعاون، وتقدير أفكار الآخرين، وتنظيم الوقت، والتواصل الفعّال. إضافة إلى محاكاة مواقف حياتيّة حقيقيّة داخل الصفّ، مثل تخطيط حدث صفّيّ أو توزيع أدوار لمهمّة جماعيّة، ليتمرّن الطلّاب على حلّ النزاعات، والتفكير النقديّ، واتّخاذ القرار، والتواصل الفعّال. هذه الأنشطة تجعل المهارات الحياتيّة جزءًا حيًّا وملموسًا من تجربتهم اليوميّة، وتؤهّلهم لتطبيقها في مواقف خارج الصفّ، بما يدعم صقل شخصيّتهم القياديّة والمهنيّة، ويؤهّلهم تدريجيًّا ليصبحوا قادة المستقبل القادرين على الابتكار واتّخاذ القرار والتعاون في مختلف المجالات.

 

***

في النهاية، وأمام كلّ هذه التغيّرات المتسارعة في حياتنا اليوميّة، وهذا التحديث المستمرّ في الأفكار والمعتقدات وأنماط العيش، يصبح من الضروريّ الوقوف بعين ناقدة عند ممارساتنا الصفّيّة اليوميّة، والتساؤل حول مدى انسجامها مع هذه المستجدّات التي تحيط بنا، أفرادًا وعائلات، وتدفع أبناءنا أحيانًا إلى جعل اهتماماتهم وأولويّاتهم بعيدة عن المدرسة وأنشطتها. لذلك، لا بدّ من إعادة النظر والتفكّر بجدّيّة وعمق في ممارستنا اليوميّة ورؤيتنا إلى التعليم، وكذلك التساؤل عن كيفيّة جعل التقييم المدرسيّ يخدم هذه المهارات.