حين تصبح القيم اختيارًا لا شعارًا: ممارسات صفّيّة في بناء الوعي الأخلاقيّ
حين تصبح القيم اختيارًا لا شعارًا: ممارسات صفّيّة في بناء الوعي الأخلاقيّ
أمينة بلعيد | أستاذة التعليم الابتدائيّ - المغرب
حميد جعفر | أستاذ باحث في المدرسة العُليا للأساتذة - المغرب

في عالم يتسارع فيه إيقاع التحوّلات المعرفيّة والتكنولوجيّة، لم تعد المدرسة مطالبة فقط بتزويد المتعلّمين بالمعارف والمهارات الأكاديميّة، بل أصبحت مسؤولة كذلك عن إعدادهم لمواجهة اختيارات حياتيّة وأخلاقيّة معقّدة خارج أسوارها. فالمتعلّم بعد المدرسة لا يُختبَر في قدرته على استرجاع المعلومات، بقدر ما يُختبَر في قدرته على اتّخاذ مواقف، وتحمّل مسؤوليّة قراراته، والالتزام بقيم قد لا تمنحه منفعة فوريّة.

غير أنّ الحديث عن القيم في السياق المدرسيّ، غالبًا ما يظلّ حبيس الشعارات والخطابات المعياريّة، إذ تُقدّم القيم بوصفها مسلّمات جاهزة ينبغي تبنّيها، لا موضوعات قابلة للنقاش والتفكير وإعادة البناء. وهنا يبرز التحدّي التربويّ: كيف ننتقل من تلقين القيم إلى تمكين المتعلّمين من تملّكها بوعي واختيار؟ وكيف نجعل الصفّ فضاء حيًّا تُمارَس فيه القيم، لا تُردّد فقط؟

ينطلق هذا المقال من تجربة صفّيّة سعت لمقاربة مفهوم القيم، بوصفها ممارسة يوميّة قائمة على الحوار والاختلاف وحقّ الاختيار، في محاولة الإسهام في إعداد متعلّمين قادرين على إحياء القيم الإنسانيّة، في سياقات تتجاوز الحسابات النفعيّة الضيّقة، وتمتدّ إلى ما بعد المدرسة.

 

القيم بين الخطاب والممارسة

يُشكّل الاشتغال على القيم في المدرسة أحد الأهداف المعلنة في الوثائق التربويّة والمناهج الدراسيّة، غير أنّ حضورها داخل الممارسة الصفّيّة يظلّ في كثير من الأحيان خطابًا معياريًّا، أكثر منه تجربة معيشة. فتلقين القيم يقوم غالبًا على تقديمها في صيغة قواعد جاهزة، أو توجيهات مباشرة تحدّد ما ينبغي فعله وما يجب تجنّبه، من دون إتاحة مساحة حقيقيّة للتساؤل أو النقاش. وفي هذا السياق، يتحوّل المتعلّم إلى متلقٍّ يكرّر العبارات الأخلاقيّة، من دون أن يختبر معناها في وضعيّات واقعيّة.

في المقابل، يقتضي عيش القيم داخل الصفّ الانتقال من منطق الإخبار إلى منطق الاختبار؛ أي من تعريف المتعلّمين بالقيمة، إلى تمكينهم من ممارستها في سياقات تتطلّب اتّخاذ موقف وتحمّل مسؤوليّته. فالقيمة لا تصبح فاعلة إلّا حين توضع موضع مساءلة، ويُتاح للمتعلّم أن يختارها عن وعي، لا أن يتبنّاها خوفًا من العقاب أو رغبة في الامتثال. ومن هنا، يتحوّل الصفّ من فضاء لترديد المبادئ، إلى مجال للتفكير في معانيها وتطبيقاتها، بما ينسجم مع إعداد المتعلّم لحياة ما بعد المدرسة.

 

حين يصبح الصفّ فضاء للقيم

لم يكن الاشتغال على القيم داخل الصفّ مجرّد نشاط موازٍ للدرس، بل محاولة واعية لتحويل الفضاء التعليميّ إلى مجال حيّ، تُمارَس فيه القيم ولا تُلقّن فقط، لا سيّما وأنّ تمثّلات المتعلّمين للقيم لم تكن متجانسة، بل تأثّرت بوضوح ببيئاتهم الاجتماعيّة والثقافيّة والأسريّة. وقد انطلقت من قناعة مفادها أنّ المتعلّمين لا يملكون القيم لأنّها كتبت في المقرّر، بل لأنّهم اختبروها في مواقف حقيقيّة، تستدعي الاختيار والمساءلة وتحمّل المسؤوليّة. لذلك صمّمت نشاطًا صفّيًّا يقوم على الحوار وطرح وضعيّة إشكاليّة، تضع المتعلّمين أمام سؤال قيميّ مفتوح، من دون تقديم إجابة جاهزة أو توجيه مسبق نحو موقف معيّن. 

تمثّل النشاط في عرض وضعيّة حياتيّة قريبة من واقعهم، تتعلّق بموقف يتطلّب اتّخاذ قرار قد يكون مربحًا على المستوى الشخصيّ، لكنّه يطرح إشكالًا أخلاقيًّا واضحًا. طلبت إلى المتعلّمين الاشتغال في مجموعات صغيرة لمناقشة السؤال المركزيّ: ماذا كنت ستفعل؟ ولماذا؟ لم يكن الهدف الوصول إلى "الجواب الصحيح"، بل الكشف عن منطق التفكير الكامن خلف كلّ اختيار، والذي يعكس التمثّلات الأوّليّة حول القيم الأخلاقيّة الكامنة في بيئات المتعلّمين المختلفة. 

في إطار الاشتغال على قيمة المسؤوليّة والأمانة واحترام ممتلكات الغير مع تلامذة السادس الابتدائيّ، صُمّم نشاط ينطلق من وضعيّة مرتبطة بنشاط مدرسيّ حول السلامة الطرقيّة، وعُرضت عليهم الوضعيّة الآتية:

خلال الاستعداد لتصوير مشاهد توعويّة حول السلامة الطرقيّة داخل ساحة المدرسة، وُضعت كاميرا رقميّة على طاولة جانبيّة. بعد انتهاء الحصّة، لاحظ أحد التلاميذ أنّ الكاميرا بقيت في مكانها من دون مراقبة، ولم يكن أحد قد انتبه إليها. كان بإمكانه أخذها بدافع الفضول لتجريبها في البيت، أو الاحتفاظ بها، أو إخبار الأستاذ/ الإدارة بوجودها.

بعد قراءة الوضعيّة، طُلب إلى التلاميذ الاشتغال في مجموعات صغيرة لمناقشة السؤال المركزيّ: ماذا كنت ستفعل؟ ولماذا؟ وكان التأكيد منذ البداية على أنّ الهدف ليس البحث عن "الإجابة النموذجيّة"، بل التفكير في البدائل الممكنة، وتبرير الاختيار بحجج واضحة. كما شُجّع التلاميذ على مناقشة النتائج المحتملة لكلّ قرار: ماذا سيحدث لو احتفظ بالكاميرا؟ ماذا لو أعادها إلى صاحبها؟ كيف سيشعر كلّ طرف في الحالتَين؟

أثناء النقاش، ظهرت مواقف متباينة: فقد رأى بعض التلاميذ أنّ الاحتفاظ بالكاميرا قد يُعدّ فرصة لا تتكرّر، خصوصًا إن كان صاحبها مجهولًا. بينما شدّد آخرون على أنّ قيمة الأمانة لا ترتبط بوجود الرقيب، بل بضمير الفرد. وبرزت كذلك مواقف وسطى، اقترحت حلولًا مثل الانتظار لمعرفة إن كان أحد سيطالب بها قبل تسليمها للإدارة، أو أخذها مدّة معيّنة لإشباع الفضول وإعادتها إلى صاحبها بعد ذلك. كما برزت مواقف تشير إلى أهمّيّة التفكير في أثر الفعل في الفريق الذي يشتغل على مشروع السلامة الطرقيّة، وفي صورة المدرسة. هنا تُطرح أسئلة ميسّرة لتعميق التفكير النقديّ، من قبيل:

  • - هل يظلّ الفعل صحيحًا إذا لم يكتشفه أحد؟
  • - كيف ستشعر لو كنت أنت صاحب الكاميرا، وفي حاجة ماسّة إليها؟
  • - ماذا لو أصبح هذا السلوك قاعدة بين الجميع؟
  • - هل الخوف من العقاب هو ما يجعل الفعل صحيحًا؟
  • - من سيتحمّل المسؤوليّة؟

 

سمحت هذه الأسئلة بنقل النقاش من مستوى المنفعة الشخصيّة، إلى مستوى التفكير في أثر السلوك في الجماعة. كما دفعت بعض التلاميذ إلى مراجعة مواقفهم الأولى. وقد لوحظ أنّ عددًا منهم انتقل من تبرير قائم على الرغبة أو الخوف، إلى تبرير يستند إلى مبادئ وقيم مثل العدالة والأمانة واحترام ملكيّة الغير. لم يكن الهدف إنهاء النقاش بإعلان "الحلّ الصحيح"، بل إبراز أنّ القيمة تُختار عن وعي، وأنّ اتّخاذ القرار الأخلاقيّ يتطلّب موازنة بين الرغبة والمسؤوليّة. وهكذا، تحوّل الصفّ إلى فضاء يمارس فيه المتعلّمون التفكير القيميّ، في وضعيّة تحاكي مواقف قد يواجهونها فعلًا داخل المدرسة أو خارجها. وكان من بين الملاحظات اللافتة في هذه التجربة، أنّ تمثّلات المتعلّمين للقيم لم تكن متجانسة، بل تأثّرت بوضوح ببيئاتهم الاجتماعيّة والثقافيّة والأسريّة. فقد استند بعضهم إلى مرجعيّات دينيّة، وآخرون إلى تجارب شخصيّة عاشوها داخل الأسرة أو الحيّ، بينما عبّر بعضهم عن مواقف تحت عنوان الغاية تبرّر الوسيلة، أي أنّ الفضول والاكتشاف يمثّلان الدافع الأساسيّ، وليس السرقة. هذا التنوّع كشف أنّ القيم لا تُبنى في المدرسة من فراغ، بل تصل إلى الصفّ محمّلة بخلفيّات مختلفة، قد تتقاطع أحيانًا وتتباين أحيانًا أخرى. ولم يكن الهدف توحيد هذه المرجعيّات أو إقصاء بعضها، بل خلق فضاء آمن يسمح بتفكيكها ومناقشتها، في ضوء مبادئ مشتركة مثل العدالة والاحترام والمسؤوليّة. وهنا برز دور الصفّ بوصفه مجالًا تربويًّا يتيح للمتعلّمين الانتقال من القناعة الموروثة إلى القناعة المفكّر فيها، ومن ردّ الفعل التلقائيّ إلى الموقف الواعي القابل للمراجعة. ومن هنا، فالاعتراف بهذا الاختلاف لا يهدّد وحدة الجماعة الصفّيّة، بل يعزّزها، لأنّه يدرب المتعلّمين على العيش مع التنوّع القيميّ الذي سيواجهونه حتمًا بعد المدرسة.

 

المتعلّمون بعد المدرسة

أتاح هذا النشاط لتلاميذ المستوى السادس الابتدائي وتلميذاتهّ، الانتقال من مستوى معرفة القاعدة إلى مستوى استبطان معناها. فبدل أن تبقى المسؤوليّة قيمة مرتبطة بالخوف من العقاب المدرسيّ أو العقاب الأسريّ، أصبحت موضوع تفكير جماعيّ يتعلّق بالثقة والعمل المشترك وأثر الفعل الفرديّ في الجماعة. وقد لوحظ بعد النشاط تحسّن في وعي التلاميذ أثناء إنجاز مشاريع صفّيّة لاحقة، إذ صاروا أكثر حرصًا على إعادة الأدوات إلى أماكنها، وأكثر انتباهًا لمسؤوليّاتهم داخل العمل الجماعيّ. كما أصبحوا يناقشون في ما بينهم عواقب بعض السلوكيّات قبل الإقدام عليها.

هذا التحوّل، وإن بدا محدودًا في سياقه المدرسيّ، يحمل دلالة أعمق تتعلّق بإعداد المتعلّم لما بعد المدرسة. فالحياة خارج أسوار المؤسّسة التعليميّة لا تقوم على وجود مراقب دائم، بل على القدرة على اتّخاذ قرار أخلاقيّ في غياب الرقيب. 

 

***

ومن هنا، تمكين المتعلّم من اختبار القيم في مواقف واقعيّة داخل الصفّ، يسهم في بناء ضمير واعٍ قادر على الموازنة بين الرغبة والمسؤوليّة، وبين المصلحة الفرديّة والصالح العامّ. وهكذا، يصبح الصفّ فضاء تربويًّا يُدرب المتعلّمين على عيش القيم في سياقات متغيّرة، استعدادًا لمجتمع تتعدّد فيه الاختيارات وتتنوّع فيه التحدّيات.