مجتمع بلا مدارس: ملامح الواقع التعليميّ في غزّة
مجتمع بلا مدارس: ملامح الواقع التعليميّ في غزّة
سحر معين درويش | باحثة في المجال التربوي والنفسي-فلسطين

يشهد قطاع غزّة أزمة تعليميّة حادّة نتيجة تدمير المدارس، وتحويل بعضها إلى مراكز إيواء، ما أدّى إلى انقطاع مئات الآلاف من الأطفال عن التعليم الوجاهيّ. على الرغم من غياب البنية المدرسيّة، يبقى التعليم مستمرًّا في مساحات بديلة، حيث يقوم المعلّمون بأدوار تربويّة ونفسيّة واسعة لدعم الطلّاب، بينما يظهر الأطفال قدرة  على الصمود الأكاديميّ مع كلّ الصعوبات. يسلّط المقال الضوء على التحدّيات التعليميّة في غزّة، وآثارها النفسيّة في الطلبة، ودور المعلّمين والمجتمع في الحفاظ على استمراريّة التعليم، مع التأكيد على ضرورة وضع خطط تربويّة طارئة لإعادة بناء المدارس ومعالجة الفاقد التعليميّ.

يشهد قطاع غزّة واحدة من أعقد الأزمات التعليميّة في العالم، إذ تحوّل غياب المدارس من مشكلة بنيويّة إلى أزمة تربويّة – إنسانيّة شاملة. فقد أدّت الحرب إلى تدمير البنية المدرسيّة، وانقطاع التعليم لفترات طويلة، وحرمان مئات الآلاف من الأطفال حقّهم الأساسيّ في التعلّم. ووفق تقارير اليونيسف (UNICEF، 2024) وتقارير وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة (2024)، فالنظام التعليميّ في غزّة "على وشك الانهيار"، بعد تضرّر معظم المدارس، وعدم قدرة الطلبة على العودة إلى مقاعدهم.

 

تدمير المدارس… بداية أزمة تعليميّة عميقة

تُشير البيانات الحديثة إلى أنّ نحو 97% من المدارس في غزّة تعرّضت إلى الضرر الجزئيّ أو الكلّيّ، ما منع أكثر من 658,000  طفل من الوصول إلى التعليم الوجاهيّ (UNICEF, 2024؛ وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة، 2024). ويروي أحد التقارير أنّ طالبًا في الصفّ السادس عاد إلى مدرسته بعد وقف إطلاق النار، ليجدها مجرّد ركام بلا مقاعد أو أبواب أو نوافذ، في مشهد يلخّص مدى الانقطاع الحادّ في البيئة التعليميّة الأساسيّة (UNICEF, 2025). كما وثّق المرصد الأورومتوسطيّ (2024) حجم الدمار الذي حوّل عشرات المدارس إلى مبانٍ غير صالحة للعمليّة التعليميّة.

هذا الواقع لا يعني فقط غياب المبنى، بل غياب المساحة التي تمنح الطفل شعورًا بالأمان والروتين والانضباط، وهي عناصر مركزيّة في التربية.

 

المدارس تتحوّل إلى مراكز إيواء… وفقدان "الغرفة الصفّيّة"

أشارت منظّمة "إنقاذ الطفل" وقطاع التعليم في غزّة، إلى أنّ 246 مبنًى مدرسيًّا على الأقلّ تعرّض إلى أذى مباشر، بينما تحوّلت مدارس أخرى إلى مراكز إيواء مكتظّة (Save the Children, 2023؛ Gaza Education Sector, 2023). وفي تقارير محلّيّة موثّقة، أشار مركز رؤية للتنمية السياسيّة (2023)، إلى أنّ مدارس غزّة فقدت وظيفتها التعليميّة وتحوّلت إلى أماكن معيشيّة مكتظّة، الأمر الذي جعل "المدرسة" بالنسبة إلى الطفل مرتبطة بظروف البقاء وليس التعلّم.

في إحدى الحالات، وثّقت التقارير عائلة نازحة تعيش في ساحة مدرسة كانت سابقًا مركزًا للتعلّم، حيث أصبح الفناء مكانًا للنوم والطهو بدل أن يكون بيئة تعليميّة. هذا التحوّل خلق فجوة تربويّة كبيرة: لم يعد الطفل يفصل بين "المدرسة" و"المأوى"، ما يضعف قدرته على الارتباط بالتعلّم.

 

الطلّاب يعودون بلا كتب ولا زيّ مدرسيّ

في مثال آخر موثّق، عاد عدد كبير من طلّاب غزّة إلى مدارسهم بعد توقّف طويل ليجدوا المباني مهدّمة، بلا كتب مدرسيّة ولا مقاعد، ولا حتّى زيّ مدرسيّ، كما عبّر أحد الطلّاب:

"لم نجد سوى جدران مدمّرة وبقايا صفوف… لا كتب ولا مقاعد" (AlJazeera, 2025). 

كما أكّدت وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة، أنّ آلاف الطلبة فقدوا كتبهم وحقائبهم وأدواتهم التعليميّة أثناء النزوح المتكرّر (وزارة التربية والتعليم، 2024).

يمثّل هذا المشهد صدمة تربويّة مضاعفة: ليس فقط غياب التعليم، بل غياب الرموز المدرسيّة التي تمنح الطفل شعورًا بالهويّة الأكاديميّة.

 

تجربتي الشخصيّة من الميدان

حين فقدتُ الصفّ… وبقي الدرس

توقّفت عن عدّ الأيّام الدراسيّة كما كنت أفعل سابقًا. في غزّة. فقد الزمن التعليميّ انتظامه، واختلط بإيقاع النجاة اليوميّة. لم يعد السؤال: ماذا سنُدرّس؟ بل: هل سنلتقي؟ وأين؟ هكذا، بهدوء موجع، انتقل التعليم من كونه نظامًا مستقرًّا إلى كونه فعلًا هشًّا، يُمارَس كلّ يوم وكأنّه قد لا يتكرّر.

وأنا، المعلّمة والباحثة التربويّة، عشتُ هذا التحوّل لا بوصفه فكرة، بل حالة يوميّة. الصفّ الذي أعرفه لم يختفِ دفعة واحدة؛ تآكل تدريجيًّا، حتّى صار مجرّد ذكرى. لم يبقَ منه سوى الرغبة في الاستمرار، والإصرار على أن يظلّ الدرس قائمًا، ولو بلا جدران.

أذكر صباحًا جلستُ فيه مع مجموعة من الأطفال داخل خيمة ضيّقة. لا سبّورة، ولا مقاعد، ولا صوت جرس. بعضهم حمل دفاتر نجت بصعوبة من النزوح، وآخرون كتبوا على أوراق غير متشابهة، كأنّ المعرفة نفسها صارت مؤقّتة. جلستُ بينهم لا أمامهم، وبدأنا الحصّة كما نبدأ الاعتراف: بلا مقدّمات. 

لم يسألني أحد عن الامتحان، ولا عن العلامة. سأل طفل بصوت متردّد:

"اليوم... في درس؟"

كان السؤال أبسط ممّا يُحتمل، وأثقل ممّا يُقال. لم يكن يسأل عن المحتوى، بل عن الاستمراريّة، عن شيء ثابت وسط هذا التقلّب الحادّ.

 

في كثير من الأيّام، لم أشرح درسًا بقدر ما حاولتُ أن أُرمّم شعورًا. كنت أراقب وجوه الأطفال وهم يتنقّلون بين الانتباه والانسحاب، لا عجزًا عن الفهم، بل لأنّ ذاكرتهم مثقلة بما يفوق أعمارهم. التعليم هنا لا ينافس القصف، ولا يتجاوزه، بل يحاول أن يجد لنفسه مكانًا صغيرًا بين الخوف والانتظار.

في إحدى الجلسات، انفجر طفل بالبكاء لأنّه نسي قلمه. لم يكن القلم هو ما غاب، بل ما تراكم خلفه: شعور دائم بالفقد، وبأنّ الأشياء البسيطة لم تعد مضمونة. في تلك اللحظة، فهمت أنّ التعليم في غزّة لم يعد نقل معرفة، بل ممارسة صامتة للدعم، لا يُعلن عنها، ولا تُقاس نتائجها سريعًا.

المعلّم في هذا السياق لا يملك رفاهيّة الفصل بين دوره التربويّ ودوره الإنسانيّ. هو شاهد قبل أن يكون مُلقّنًا، ورفيق قبل أن يكون مُقيّمًا. يحمل السبّورة حينًا، ويحمل القلق حينًا آخر، ويُدير فوضى الحياة باسم الدرس.

ما تعلّمته من هذه التجربة أنّ المدرسة ليست مبنى فحسب، لكنّها أيضًا ليست فكرة معلّقة في الهواء. هي علاقة حيّة، وذاكرة جماعيّة، وشعور بالأمان. وحين تغيب، لا ينهار التعليم فجأة، بل يتآكل ببطء، ما لم تُخلق له مساحات تحميه من الزوال.

في غزّة، قد نفقد الصفّ والكتاب والزيّ، لكنّنا نحاول ألّا نفقد المعنى. وربّما لهذا يبدو التعليم هنا أقلّ انتظامًا، لكنّه أكثر صدقًا، وأكثر التصاقًا بالحياة.

 

المعلّمون في قلب الأزمة… أدوار متعدّدة تتجاوز التدريس 

في ظلّ غياب المدارس وموارد التعليم، مارس المعلّمون في غزّة أدوارًا تربويّة واسعة تمتدّ إلى الدعم النفسيّ، وتنظيم المساحات البديلة، وتطوير أنشطة بسيطة تُعيد إلى الطفل الإحساس بالروتين. وتؤكّد الأدبيّات أنّ المعلّم في الطوارئ يتحوّل إلى "نقطة أمان نفسيّ – تربويّ" للأطفال (Mendenhall, 2019؛ أبو شمّالة، 2022).

المشهد على الأرض يثبت ذلك: معلّمة تحمل سبّورة خشبيّة وتنتقل بين الخيام، وأخرى تشرح على كرتون، وثالثة تجمع الأطفال في حلقات صغيرة لتمنحهم مساحة تعليميّة مؤقّتة. وتشير تقارير المرصد الأورومتوسطيّ (2024)، إلى أنّ المعلّمين في غزّة باتوا يعملون ضمن ظروف "أقرب إلى العمل الإنسانيّ منها إلى العمل التربويّ".

 

التعليم في ظلّ القلق… سلوكيّات الطلّاب بين الانقطاع والمحاولة

الدراسات النفسيّة تشير إلى ارتفاع مستويات القلق والتركيز لدى أطفال غزّة بسبب الانقطاع الطويل (Hassan & Thabet, 2023). لكنّ الأمثلة الميدانيّة تظهر أنّ الأطفال، بمجرّد توفّر مساحة آمنة ولو بسيطة، يعودون إلى ممارسة التعلّم:

طفل يكتب على صندوق كرتونيّ لأنّه لا يمتلك دفترًا.

طالبة تذاكر درسها على ضوء شمعة في مركز إيواء.

مجموعة أطفال تجتمع يوميًّا لسماع درس تقدّمه معلّمة متطوّعة داخل الخيمة.

وتشير دراسة القانوع (2020) إلى أنّ التعليم في الطوارئ في غزّة يعتمد على "المرونة التربويّة"، وإعادة تنظيم التعلم بوسائل بديلة بسيطة.

هذه الأمثلة تجسّد قدرة الأطفال على الصمود الأكاديميّ على الرغم من الظروف.

 

المرحلة الثانويّة والتعليم الجامعيّ… مستقبل مؤجّل

تُظهر تقارير اليونيسف أنّ آلاف الطلّاب في الصفّ الثاني عشر، لم يتمكّنوا من تقديم امتحاناتهم الرسميّة، ما عرّض مستقبلهم الجامعيّ إلى الخطر (UNICEF, 2024). كما تشير اليونسكو إلى أنّ 95% من مؤسّّسات التعليم العالي في غزّة تأثّرت بالدمار، مع تدمير أكثر من 20 حرمًا جامعيًّا (UNESCO, 2025). ووفق معهد فلسطين لأبحاث الأمن القوميّ (2023)، بات واقع الجامعات في غزّة "ضبابيًّا ومفتوحًا على احتمالات خسارة جيل كامل من الطلبة الجامعيّين".

 

مجتمع بلا مدارس… لكن ليس بلا تعليم

مع أنّ الجدران هُدمت، لكنّ التعليم لم يغِب. لا يزال الطالب يحمل قلمه، والمعلّم يحمل رسالته، والمجتمع يحاول صياغة مساحات تعلّم بديلة. لكنّ هذا الواقع يستدعي خطّة تربويّة طارئة تعيد بناء المدارس، وتعالج الفاقد، وتدعم الطلّاب نفسيًّا، وتعيد إلى التعليم مكانته.

غزّة اليوم مجتمع بلا مدارس، لكنّها ليست مجتمعًا بلا إرادة للتعلّم.

 

المراجع

- أبو شمّالة، رائد (2022). آثار الحروب المتكرّرة على التحصيل الدراسيّ للطلبة في غزّة. مجلّة الجامعة الإسلاميّة للدراسات الإنسانيّة، 30(2), 55–78.

- القانوع، م. (2020). التعليم في الطوارئ: نموذج غزّة. مجلّة العلوم التربويّة، 18(1),( 112–140).

- المرصد الأورومتوسطيّ لحقوق الإنسان. (2024). تأثير الحرب على منظومة التعليم في غزّة. جنيف.

- وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة. (2024). تقرير حول أضرار المدارس والبنية التحتيّة التعليميّة في قطاع غزّة

- مركز رؤية للتنمية السياسيّة. (2023). تداعيات العدوان على التعليم في غزّة: قراءة تحليليّة

- معهد فلسطين لأبحاث الأمن القوميّ. (2023). التعليم في غزّة بين التدمير ومحاولات التعافي

- AlJazeera. (2025). Students return to destroyed schools in Gaza.

- Burde, D., Kapit, A., Wahl, R., Guven, O., & Skarpeteig, M. I. (2017). Education in emergencies: A review of theory and research. Review of Educational Research, 87(3), 619–658.

- Gaza Education Sector. (2024). Education under attack in Gaza: Nearly 90% of school buildings damaged or destroyed.

- Hassan, T., & Thabet, A. (2023). Psychological effects of war-related trauma on children in Gaza. Journal of Child & Adolescent Mental Health, 35(2), 145–158.

- Mendenhall, M. (2019). Teachers in displacement: Understanding roles in crisis contexts. International Journal of Educational Development, 66, 73–82.

- Save the Children. (2023). Education under fire: The impact of conflict on learning in Gaza.

- UNESCO. (2025). Assessment of damage to higher education institutions in Gaza.

- UNICEF. (2024–2025). Gaza education situation reports.